شبكة نوى، فلسطينيات
gaza2023
اليوم الاربعاء 19 يونيو 2024م18:09 بتوقيت القدس

لتلبية احتياجات أمها المريضة..

على حدود "نتساريم".. "فدائيةٌ" تجمع الحطب!

09 يونيو 2024 - 13:47

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"كل شيء بيهون علشان أمي" أجابت رواء الدحدوح، بعدما سألتها "نوى" عن سبب توجهها لجمع الحطب يوميًا في المناطق المتاخمة لتواجد قوات الاحتلال الإسرائيلي، فيما يعرف بـ"محور نتساريم" الفاصل بين شمالي قطاع غزة وجنوبه.

في تلك المنطقة، تبحث رواء (28 عامًا)، المريضة بـ"السكّري" عن الحطب؛ لعلّها تستطيع إعالة نفسها ووالدتها الخمسينية. هذا هو مصدر الدخل الوحيد لهما منذ أن أجبرتا على النزوح من بيتهما في "تل الهوا" جنوب غربي مدينة غزة، والإقامة في مركز إيواءٍ للنازحين داخل مدرسةٍ في شارع العشرين بمخيم النصيرات للاجئين، وسط قطاع غزة.

تعاني والدة رواء أيضًا من "السكري"، فضلًا عن أمراض أخرى عديدة، وهو الأمر الذي جعل البحث عن دخلٍ حتميًا، من أجل توفير أثمان العلاجات المختلفة. تقول رواء: "الحرب مؤلمة على الجميع، ولكنها أشد وأكثر عنفًا على المرضى، الذين زادت آلام أجسادهم المنهكة بفعل النزوح المتكرر وقلة الدواء والعلاج".

قبيل النزوح من مدينة غزة، دمّرت قوات الاحتلال الإسرائيلي المنزل الذي تقيم به رواء ووالدتها وشقيقها، ومعهم في شقةٍ أخرى أسرة أبيها الثانية وزوجته وأبنائه، وقد أصيبت رواء بجروح، وما أن تعافت منها حتى أصيبت مرةً ثانيةً في ساقها إبان اجتياح قوات الاحتلال لوسط القطاع.

وعن الغارة الجوية الإسرائيلية التي دمرت منزلهم، تخبرنا: "استُشهِد والدي أسامة وعمره 54 عامًا، وشقيقي خليل وعمره 31 عامًا".

نظرت رواء إلينا وقالت: خليل لحق بشقيقي إسماعيل الذي استشهد في عدوان عام 2014م على قطاع غزة".

"نحن نسير في شوارع مزروعة بالمخاطر، والموت يتناثر علينا من السماء ومن كل مكان" تصف رواء خطورة الوضع في المكان، لكنها في الوقت ذاته تستهزئ بفكرة الخوف، وتقول: "هنا بات يتساوى الموت والحياة، فالمجازر الإسرائيلية لا تتوقف. لماذا أخشى الموت عند الحدود وقد أموت هنا، في فراشي بشظية أو رصاصة أو صاروخ؟".

نزحت رواء مع والدتها مرارا حتى استقر بهما الحال في مدرسة بمخيم النصيرات، فيما نزحت زوجة والدها مع أبنائها إلى مركز إيواء بمدرسة في مدينة دير البلح وسط القطاع.

"عن أي خطر نتحدث وكل حياتنا خطر في خطر، هل يوجد مكان آمن؟"، تتساءل وهي تشير إلى مجزرة مروعة ارتكبتها مقاتلات حربية إسرائيلية بقصفها صفوفًا دراسية تؤوي نازحين في مدرسةٍ بمخيم 2 في النصيرات، وقد أسفرت عن ارتقاء عشرات الشهداء والجرحى، جلهم من النساء والأطفال، وتعلق: "إذا ما رحنا للموت فإنه سيأتينا، في أي لحظة وبكل مكان، مثلما حدث مع النازحين في مدرسة الوكالة وهم نيام".

وبحسب "المكتب الإعلامي الحكومي" فقد قصفت مقاتلات حربية إسرائيلية بثلاثة صواريخ مدرسة تابعة لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في وسط مخيم النصيرات، وتسببت في استشهاد زهاء 40 وإصابة أكثر من 70 آخرين، من بين الشهداء 14 طفلًا و9 نساء.

وبالنسبة لرواء فإن الحرب لم تترك لأهل غزة خيارات كثيرة، وأدّت إلى تضييق سبل العيش عليهم، خاصةً الطبقات الفقيرة، في ظل ارتفاعٍ جنونيٍ في أسعار السلع والبضائع المتوفرة في الأسواق، وندرة المساعدات، بعدما أغلقت قوات الاحتلال معبَرَي رفح وكرم أبو سالم التجاري.

وتجمع رواء الحطب والأخشاب يوميًا على مرأى من جنود الاحتلال ودباباته؛ من أجل توفير "لقمة العيش" لوالدتها المريضة ولبنات شقيقها الشهيد، وتقول بلغة الواثقة بقضاء الله وقدره: "شو الله كاتب بنشوف"، وتتابع: "أعمارنا معروفة ولن نموت قبل أن ينتهي أجلنا".

"لكنها مناطق خطرة، ألا تخافين؟"، تجيب رواء: "بالطبع أخاف، ولكن ليس لدي بديل آخر، يجب أن أخاطر بنفسي من أجل والدتي وأبناء شقيقي الشهيد.. الحياة صعبة، والحرب دمرتنا نفسيًا وجسديًا".

واجهت رواء أكثر من مرة، الموت قرب تلك الحدود، وفي مرةٍ كانت الأقسى فتح جنود الاحتلال النار نحوها وآخرين يجمعون الحطب من مناطق تتبع لمنطقة وادي غزة على مقربةٍ من حاجز "نتساريم" العسكري، الذي أقامه الاحتلال مع بدء العمليات العسكرية البرية في أواخر شهر أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، ويفصل به مدينة غزة وبلدات شمال القطاع عن المدن والبلدات والمخيمات في نصفه الجنوبي.

"كنت أدعو الله فقط أن يتولى أمي وأولاد أخي الشهيد برحمته، إذا ما أصابني مكروه".

تصف المشهد بقولها: "كنت أدعو الله فقط أن يتولى أمي برحمته، وأولاد أخي الشهيد، إذا ما أصابني مكروه. كان كل تفكيري ينصب على ماذا سيأكلون اليوم إذا استشهدت؟ ومن أين ستأتي أمي بعلاجها بعد أن ينفد؟".

وتزيد: "أشاهد بعيني جنود الاحتلال والدبابات، ونحتمي من النيران خلف الشجر والسواتر، وتستلقي أرضًا، ونهرب من مكان إلى مكان لنتخطى الموت، ثم نعاود العمل في جمع الحطب والأخشاب، وهكذا كل يوم، وفي كل لحظة أدعو الله أن يحفظ حياتي من أجل استمرار رعاية والدتي والأطفال الأيتام أبناء أخي الشهيد".

ولجأ كثيرون من بين 2.2 مليون فلسطيني في القطاع الساحلي الصغير لاستعمال الحطب والأخشاب كوسيلة لطهي الطعام، وإعداد احتياجاتهم الحياتية اليومية على النيران، للتغلب على أزمة حادة في الوقود وغاز الطهي، الذي منعته قوات الاحتلال لفترة طويلة، وتسمح بدخوله على فترات وبكميات شحيحة جدًا لا تسدُّ حاجة السكان.

وباتت مشاهد أكوام الحطب والأخشاب مألوفةً في الأسواق وتباع بأسعارٍ لا تقوى عليها رواء، التي ليس لها مصدر دخل يساعدها على مجابهة مصاعب الحرب وأزماتها، وذلك تحاول جلب الحطب، لتستخدمه في طهي طعام الأطفال معها، ولتبيع الباقي في السوق لعلها تحظى ببضعة شواقل تسند احتياجات العائلة الثقيلة.

تتحدث رواء بألمٍ عن أثر الحرب الصعب على النساء اللواتي ليس لهن معيل، وتتمنى أن ينتهي ما تصفه بـ "الكابوس الذي قلب حياتنا وعبث بأرواحنا منذ ثمانية أشهر".

صــــــــــورة