شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 30 مارس 2023م21:02 بتوقيت القدس

المدرسة في عيون أطفال بغزة: "سجن"!

09 يناير 2023 - 10:23

قطاع غزة:

يبدو الأمر مرعباً، ما أن يدق جرس انتهاء الحصة الأخيرة من الدوام المدرسي، حتى تجد الأطفال يركضون نحو البوابة وكأنهم في طريقهم للهرب! يتسابقون كأنهم سينجون من فيلم رعب عاشوا داخله لساعات! وفي الحقيقة أن الفائز الأول بالخروج من البوابة يشعر بنشوة الانتصار فيقف في الجهة المقابلة للباب فرحاً يصرخ بأعلى صوته "أنا أول واحد خرجت اليوم"!

لا يقف الأمر إلى هنا، بل إن قصة "الهروب من المدرسة" قائمة في أذهان بعض الطلاب الذين لا يترددون بعدم تفويت أي فرصة تمكّنهم من الهرب حتى ولو كلّفتهم كسر أطرافهم بفعل القفز عن السور! أو إنذار بالفصل من مدير المدرسة الذي يمسك بهم يركضون نحو الباب خلال الدوام.

فهل يكره الأطفال المدرسة؟ يقول محمد ماجد 12 عاماً "أكرهها من ضغط أهلي علي، يريدوني أن أدرس بالقوة. كل ما أفتح الباب، كل ما أتناول لقمة، كل ما أقول بدي ألعب يهاجموني بجملة يا ليتك تفلح بدراستك! لم أجد حافز أبداً، حتى في المدرسة يتعامل الأساتذة معنا بالضرب، الأستاذ في عيني "سفاحاً" يضربني أمام الطلاب لأن مستواي ضعيف، وفي المنزل تضربني عائلتي أيضاً، لا أركز بالامتحان والمذاكرة، بل بالخوف وأثر الرسوب علي وكيفية تجاوزه!"

المشاعر ذاتها تسيطر على الطفل هيثم مراد 8 سنوات، قالها بكل صراحة: “لا أطيق المدرسة، أشعر أنني مقيّد. لماذا أضيع خمس ساعات من وقتي في المدرسة ونحو ساعتين بالدروس الخصوصية! أعيش ضغط كبير، لا مجال للترفيه أو التنفس! ولا أحد يحس بي. المناهج صعبة وأمي ليس لديها طاقة لتحمل قدرة استيعابي، لديها مهمات أخرى، فتأتي لتفرّغ ضغط المنزل وأشقائي علي!"

على العكس من سابقيها تحب تولين 10سنوات المدرسة، تقول لـ نوى: هناك ألتقي بصديقاتي، وأحصل على مصروف يومي، لا آخذه بيوم الإجازة، كما أنني أحب معلماتي اللواتي لا يدخرن جهد في تعليمنا اللغة العربية والدين واللغة الإنكليزية، وماما تقول إنني طفلة ذكية وتشجعني على الدراسة".

بينما لا تحب أمل حسن 14 عاماً المدرسة، بل وتشعر أنها تخنقها، تقول:" منذ دخلتها لا أذكر كم مرة حصلنا على حصص الرياضة والرسم! تنتزعها المعلمات لتعويض المنهاج الطويل الزخم. لا يهتمون بالفن ولا الرياضة ولا الصحة النفسية، وأنا أعشق الرسم، يحرموننا من أدنى احتياجاتنا ويظنون أنها رفاهية، يهتمون بالحفظ لا الفهم، المعلمات والمعلمين مضغوطين نفسياً ويفرغون غضبهم بعصبية علينا، برغم جهدهم الجبار لكنهم يؤدون التدريس وكأنه مهمة فرضت عليهم!"

لا يقف الأمر عند مشاعر التلاميذ والتلميذات، برغم أنها أرقام سوف تدوّن بشهاداتهم ويتم القياس عليها بين الطلاب وعائلاتهم، لكن الظروف التي يعيشها الناس في قطاع غزة المحاصر منذ 16 عاماً أثرت بشكل مباشر على "جيل الحصار والحروب" كما يسميه الأهالي.

تقول عبير حسين وهي معلمة منذ 12 عاماً، إنها لا تنفي شعور الضغط النفسي الواقع عليها في مهمتها، وتضيف "انطفأ شغفنا، تحت ضغط الطلاب وصعوبة المنهاج وقدرتهم على الاستيعاب في ظروف غزة، ففي كل عدوان إسرائيلي نلحظ فروقات في التحصيل لطلاب وطالبات اعتبروا من المتميزين".

تتابع:" حتى أساليب التعليم ذاتها عند بعض المعلمات منذ كنت طالبة لكن على سبيل المثال منع الضرب والشكاوى تزداد من قبل الأهالي، وفي سياق آخر باتت شكواهم واضحة من المنهاج الدراسي" وترى بأنه يحتاج لوقفة جدية لتقريب المسافة بين الأمهات والمعلمات.

وتشرح "أتفهم عدم مقدرتهم على الاستيعاب ما يرغمهم على التوجه للدروس الخصوصية، وهذا بالطبع ليس بمقدور كافة العائلات، نحن لا نقصّر ولا مشكلة لدينا في الإعادة، لكن تحرجهم وربما عصبية بعضنا تشعرهم بالخوف أحياناً!".

في ذات السياق، يعتبر الدكتور عادل عوض الله رئيس الجامعة الإسلامية بغزة سابقاً، أن أكبر خطأ أن يتم الاعتماد على الوالدين في التدريس، فهم ليسوا متخصصين، وأحيانا مشغولون، أو لا يعرفون".

ويتابع في مقال كتبه عن الموضوع؛ المشكلة في المنهاج المفتوح على شكل أسئلة بدلاً من أن يعطي المبادئ الأساسية واضحة مترابطة من غير فلسفة، ولا ما يسمونه استثارة التفكير، مشيراً "دعونا ننظر إلى الكتب الجامعية العالمية فهي أسهل مليون مرة من الكتب المدرسية لأنها تعطي معلومات مرتبة واضحة".

وانطلقت بالتزامن مع بدء الامتحانات النهائية للفصل الدراسي الأول، دعوات عبر مواقع التواصل تطالب بتخفيف المنهاج الدراسي، وعلقت إحدى الأمهات "أرعبتني فكرة الامتحان في ست صفحات! متسائلة "لماذا لم تلغوا الربع الأول طالما أقريتم امتحان زخم ودقيق بهذه الصورة؟"

فيما قالت أخرى لـ "نوى": "ابني في مدرسة خاصة، لديه حصة رسم مرة في الأسبوع، جلبت له الألوان ودفتر خاص لكنه لا يأخذهم معه، قال لي إنها حصة "فاضية" لا يأخذ بها شيء"

وتكمل "مادة الرسم مهمة لا يجب أن تعتبر حصة لا يفعل فيها الطلاب شيء، وتتساءل تربية فنية لا يهتمون بها، ولا بحصص الرياضة، وهي التي تجعل الأطفال يفرغون طاقة الخوف والحصار والعدوانات، فرسوماتهم تعكس بماذا يشعرون".

ترى الأم أيضاً بأن المدارس "لا ترحم"، إذا حدث طارئ مع ابنها واضطر للغياب ليوم أو يومين "يضيع"، فالمنهاج صعب وزخم ويصعب على العائلة تعويضه!

كاريكاتـــــير