شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 28 يناير 2023م22:45 بتوقيت القدس

سبعة أحلام ابتلعها البحر.. ولم تنجُ كل "الجثث"

25 اكتوبر 2022 - 13:29
عائلة المفقود محمود بكر
عائلة المفقود محمود بكر

غزة:

"لم يحلموا بأكثر من حياةٍ عادية". تتساءل: لماذا يبدو باب الموت واسعًا في وجه أهل هذه البقعة المحاصرة؟ ولماذا يلاحقهم خارجها، ويصر على كتابة النهاية بحبر "المآسي" على الدوام؟

سبعة فلسطينيين، دفعتهم ظروف الفقر والبطالة في القطاع المحاصر منذ 16 عامًا إلى الهجرة عبر البحر، فحملوا أرواحهم على أكفّهم بحثًا عن ملجأ لأحلامهم الضائعة وسط رماد الانقسام، وفي الطريقى ابتلع البحر أجسادهم، وغابت الأخبار.

في مركب هجرة غير شرعي كان ينطلق من تونس، عُثر على جثمان أربعة منهم، وظلّ البقية في غياهب الفقد، لا أحد يعرف عنهم شيئًا.

ساعات من البكاء والحسرة خيّمت على عائلة الشاب آدم شعث، من مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، عندما تلقت خبر وفاته، واتصالات مكثفة بحثًا عن أملٍ يخبرهم أن ابنهم لم يمت بعد.

ينتحب والده وهو يتحدث إلى الصحافيين ويقول: "تلقيتُ اتصالًا في العاشرة مساءً يفيد بأن ابني مات. منذ تلك اللحظة بدأت بالاتصال هنا وهناك لعلَّ خبرًا آخر يطمئن قلبي لكن عبثًا. ابني مات".

يناشد الأب المكلوم الرئيس الفلسطيني محمود عباس، والسفارة الفلسطينية في تونس، بإعادة جثمان ابنه إلى قطاع غزة، كي يحظى وعائلته بنظرة وداع أخيرة بعد شهورٍ طويلةٍ من الانقطاع.

ينتحب الأب مضيفًا: "صارله أربع شهور طالع من غزة، على أمل يعيش حياة أفضل، وصل ع ليبيا ومن هناك كان بدو يتوجه لأوروبا، لكن بدل ما يعيش مات".

يبكي ويكمل: "ابني خلص توجيهي من سنوات، والآن عمره 21 سنة، لا عمل، ولا دراسة، ولا أي فرصة حياة. خاطر وغادر".

ووجه رسالةً إلى القيادات الفلسطينية ملخّصها أن "انتبهوا للشباب ومصيرهم الذي يضيع هدرًا، فلولا الحاجة ما ذهب الشباب للمخاطرة بالهجرة عبر البحر، ليقعوا فريسة للمهربين".

والد الشاب مقبل عاشور، الذي توفي أيضًا على ذات المركب، هو الآخر كان يتكلم بحسرةٍ كبيرة، إذ قال: "رجعولنا أولادنا ندفنهم، هؤلاء 22 شاب، كنت لما أحكي مع ابني أطمئن عليهم واحد واحد. كلهم كانوا متل أولادي"، أما آخر أخبار الشاب الذي سافر من قطاع غزة قبل نحو 6 أشهر بحثًا عن الحياة، هي أنه تم اعتقاله أثناء محاولته الهجرة، وكان هذا أقل ضررًا بالنسبة لعائلته.

يتابع الوالد المكلوم قائلًا: "كنت في صالون الحلاقة بالليل. حضر أحد معارفي وسألني عن ابني مقبل، فقلت له إنه محبوس، قال لا، ابنك ميت من 14 يوم! اتصلت بأحد معارفه هناك فردّ علي متسائلًا: كيف عرفت؟، قلت له الموت لا يخطىء".

ويواصل الأب حديثه بينما الدموع تسبق كلماته: "ستة أشهر لم أره فيها، أعيدوه لي حتى أراه ولو كان جثة. أعيدوه حتى وهو ميت، أريد دفنه هنا بجواري، أزور قبره وأسقيه بيدي".

كان مقبل يستعد للسفر برفقة 22 فردًا من قطاع غزة، جميعهم كان يفترض أن يهاجروا سويًا، ولكن لا أخبار عن البقية الذين اعتاد والد مقبل الاطمئنان عليهم. وهنا تظهر مأساة أهالي من لا أخبار عنهم، تمامًا كما يجري مع عائلة الشاب محمد أبو عطايا.

والدة محمد لم تتمكن من الحديث، لكنها ناضلت لتقول :"أناشد الرئيس وأناشد كل القيادات، وأناشد أي شخص بيده قرار، أن يأتي بأي خبر عن ابني. أريد معرفة مصيره، أين هو؟ وماذا يجري معه؟ أريد سماع صوته لو كان حيًا، البلاد كلها بتصيد سمك لتأكله، لكن أنا ابني عمره 26 سنة تحوّل لطعام للسمك".

تتابع: "ابني خرج هجرة إلى ليبيا، وكان يريد السفر من ليبيا إلى إيطاليا ثم بلجيكا، وغدر به المهربون. لقد باعوه لبعضهم. ابني اختُطف في ليبيا، ثم خرج، وتم اعتقاله بعدها، ثم خرج، والآن لا نعرف أخباره، أين سفارتنا؟ وأين قياداتنا؟ نريد أبناءنا، نريد أخبارًا عنهم".

وقدمت السيدة التعازي لعائلات الضحايا، فمن توفوا خرجت جثثهم إلى الشاطئ، ولكن أين ابنها الذي كان يعمل هنا بائعًا للقهوة، ولما عجز عن تأمين حياته بأي شكل قرر الهجرة؟

تضيف: "كان قد خطب فتاةً هنا، ولما عجز عن دفع المهر فسخ خطبته. هذا بكرج القهوة الذي يبيع عليه لا يدخل عليه 10 شيكل يوميًا "نحو دولارين ونصف"، ولم يعد أمامه أمل، أناشد الرئيس أن يهتم بأمر أبنائنا، أعيدوا ابني ليعمل على البكرج ولا أريد أي أموال، أريده إلى جواري فقط".

عائلة الشاب محمود بكر "26 عامًا" من مدينة غزة، أيضًا فجعت بفقدان أي أخبار عن ابنهم، أطفاله الأربعة جلسوا إلى جوار والدتهم وجدتهم اللتين كانتا تبكيان خوفًا من خبرٍ يقتل الأمل ببقائه حيًا.

تقول والدته ليلى بكر: "محمود ابني غلبان، قضى عمره لا يجد عملًا، لديه أربع طفلات وطفل، كلهم يعيشون معه في نفس الغرفة، هنا قسمت البيت إلى غرفتين، غرفة له ولأطفاله، وغرفة لأخيه وأطفاله. وضعه صفر لا عمل ولا أفق مهما بحث، فقرر الهجرة، رفضت ولكنه أصرّ".

تكمل باكية: "تعب هان، حياته كلها تعب، وحين هاجر تعرض للخطف مرة، ناشدنا السفير أن يخبرنا أن ابني بخير، المركب الذي كان يفترض أن يهاجر على متنه غرق، وخرجت جثة ابن الشاعر ومقبل، وهم كانوا معه، أريد معرفة مصير ابني، عايش ولا ميت؟ أطالب الكل بأن يقف معنا ويخبرنا أي شيء".

أما زوجته ميماس فقالت: "وصلنا الخبر أن السفينة غرقت، والشباب هناك من خرجت جثثهم إلى الشاطئ، وهناك من هم مصيرهم مجهول. ليس لدي أي أخبار عن زوجي، أطفالي يبكون منذ لحظة الحادثة، لولا عيشة الفقر والغُلب لما خرج، لم يتحمل أن نظل كلنا في غرفة واحدة، فقرر أن يبحث عن حياة أفضل".

ضحايا ابتلعهم البحر، وآخرون ابتلع البحر أخبارهم فلم نعرف عنهم شيئًا، والنتيجة أن 7 عائلات في قطاع غزة افتتحت بيوت عزاء لأرواح أبنائها.

مجددًا، تعود قضية قوارب الموت التي تخطف أرواح وأعمار الشباب في غزة إلى الواجهة. تلك التي تجري بهم في عرض البحر بحثًا عن حلم ضائع في مكانٍ آخر من العالم، على مرأى ومسمع المسؤولين الفلسطينيين الذين يتابعون الأخبار في مكاتبهم المكيفة "أذن من طين وأخرى من عجين".

كاريكاتـــــير