شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 29 نوفمبر 2022م10:02 بتوقيت القدس

محطة معالجة البريج.. "الحل البيئي" صار "مَكرَهة"!

08 سبتمبر 2022 - 21:59

شبكة نوى، فلسطينيات: البريج:

هل تتخيلون أن يعيش أحدهم كاتمًا أنفاسه معظم يومه، لمجرّد أنه مجبرٌ على استنشاق رائحةٍ كريهة طوال النهار؟ شيءٌ صعبٌ لللغاية، لكنه يحدث مع سكان المنطقة الشرقية لمدينة البريج وسط قطاع غزة.

الأهالي الذين كانوا يسكنون مكانًا يغطي البساط الأخضر حدوده الشرقية، والهواء الطلق يسرح فيه ويمرح بحرّية؛ تحوّل إلى مكرهة صحية منذ عامين فقط، حين افتتحت فيه محطة معالجة مياه الصرف الصحي، التي جعلت الرائحة الكريهة ملازمةً لأنوف السكان، والحشرات ضيفًا دائمًا على جلودهم وفوق طعامهم.

السيدة مزيونة أبو شارب، التي تسكن على بعد 30 مترًا فقط من المحطة، لا تتوقف عن "شطف" وتنظيف منزلها بالكاز على أمل وقف دخول البعوض. تكشف عن ذراعها الذي بدا مطرزًا باللدغات، وكذلك ذراعَي وجسدَي طفليها عيد (10 أعوام)، وحنين (11 عامًا).

تقول لـ"نوى": "منذ نحو العامين فقدنا الراحة. لا نهنأ على طعام، ولا على جلوس، الذباب والبعوض يلازمنا، والرائحة السيئة لا تفارق البيت. لقد عالجت أبنائي مؤخرًا بسبب القرصات، وغالبًا علاجهم سيستغرق وقتًا، وهذا وضع لا يمكننا تحمّله".

مزيونة هي أم لثمانية أبناء، تعاني كما الآلاف شرق البريج من تبعات محطة المعالجة، التي تستوعب حاليًا 60 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي، ورغم أنها تعالج مشكلة الصرف الصحي لكل منطقة غزة والوسطى، إلا أنها تحوّلت إلى كابوس في حياة الناس الذين يسكنون حولها.

زوجها محمد أبو شارب، قال: "نحن الأقرب للمحطة، وإن كان البعوض يصل الناس في زيارات متقطعة، يهاجمنا نحن "بالكبشات"، أخذت أبنائي للمستشفى بسببه".

لدى محمد 17 ابنًا من زوجتين، كلهم يعانون ذات المشكلة، رائحة لا تُطاق، "والبيت الذي دفعت فيه شقاء عمري لم يعد صالحًا" يعقّب باستنكار، متسائلًا: "لو أنني عرضته للبيع، فمن يشتريه الآن أخبروني؟".

أما الطفلة حنين، التي كشفت عن ذراعيها الحمراوين، فتكمل الحديث بالقول: "هذه قرصات بعوض، كان الهواء هنا منعش، والآن لا أستطيع أخذ راحتي في اللعب ولا في الدراسة".

جانب من اعتصام سكان المنطقة

جارتهم أم علي النباهين، سيدة أخرى تمتلك أرضًا زراعية شرق المنطقة، وهي أيضًا تعاني من تبعات إنشاء المحطة، "حيث حُرمت العائلة كما غيرها من الاستمتاع بالهواء النقي بسبب الرائحة الكريهة" تقول لـ"نوى".

وتضيف: "الرائحة مؤذية خاصة بالنسبة لنا نحن كبار السن الذين نعاني ضيقًا بالتنفس. كانت أرضنا هناك متنفسنا الوحيد، والآن نحن لا نصلها حتى"، مؤكدةً أن عائلتها حاولت الاحتجاج لكن بلا فائدة".

وضعٌ مشابهٌ تعيشه أم أحمد القطشان، التي تسكن مع أبنائها الخمسة، وزوجها، في حمّامٍ زراعيٍ بسبب حالتهم الاقتصادية السيئة، ما جعل معاناتهم أصعب.

تقول: "على الأقل كنّا نهنأ ببعض الهواء النظيف، أقنعونا عند الافتتاح أننا لن نشم أي رائحة سيئة، وأن المشروع سيوفر لنا الكهرباء على مدار الساعة، وسيتيح فرص العمل لأبنائنا، لكننا اكتشفنا أن كل هذه الوعود كانت سرابًا".

سكان المنطقة المتضررين، نظموا مؤخرًا العديد من الوقفات الاحتجاجية التي لم تؤدِّ إلى نتيجة. حملوا يافطات تطالب بحل الأزمة، وحمّلوا الجهات القائمة على المشروع المسؤولية، وهي: وزارة الحكم المحلي، ومصلحة مياه بلديات الساحل، وبلدية البريج.

بعد التواصل مع الجهات الثلاث، لم تستجب بلدية البريج لإجراء مقابلة، واكتفت بالقول: "نحن جزء من لجنة تم تشكيلها لمتابعة ملف المحطة"، رغم أنها الجهة المسؤولة عن معالجة مشكلة البعوض والرائحة الكريهة.

أما وكيل وزارة الحكم المحلي م.زهدي الغريز فقال لـ"نوى": "المحطة هي أول مشروع استراتيجي قررته السلطة الفلسطينية عام 1996م، وتم البدء به عام 2017م، وافتتح عام 2020م، ليخدم مدينة غزة، والمنطقة الوسطى -أي نصف قطاع غزة تقريبًا- ويعالج مشكلة الصرف الصحي التي كانت تصب في البحر عبر الانسياب الطبيعي، وتدمر التربة، وآبار المياه الجوفية"، واصفًا ذلك بالإنجاز المهم، إذ تصل طاقته إلى 60 ألف متر مكعب، وفي المرحلة الثانية سيصل إلى 90 ألفًا، ولاحقًا إلى 120 ألفًا.

مواطن يكشف عن أثر قرصة بعوض تعرض لها

وتابع الغريز: "إن الدراسة البيئية للمحطة كانت واضحة، وأشرفَ عليها استشاريون دوليون صمّموا المحطات بمواصفات عالمية، وتم وضع حلول لشكاوى المواطنين"، ملفتًا إلى أن الرائحة سببها تجميع كميات كبيرة من مياه الصرف الصحي دون معالجة، "وهذا أمر مرفوض، والأصل أن يتم الترحيل أولًا بأول، وإدارة المحطة التابعة لمصلحة المياه يفترض أن تقوم بهذا" يعقب.

وأوضح أن المصلحة تفيد بأن عقد المقاول الحالي انتهى، وهم في صدد عمل عقد جديد، "وهذا مرفوض كون الانتقال لمقاول جديد يحتاج إلى وقت ريثما تتم الإجراءات اللازمة" يخبرنا.

ويكمل: "الأصل أن يستمر العمل بالعقد السابق لحين الانتهاء من تنظيم العقد الجديد، وبالتالي تستمر عملية الترحيل ولا يتأذى المواطن".

وتابع: "هناك لجنة توجيهية تضم في عضويتها مدير الصحة والبيئة في بلدية البريج، الذي أكد للوزارة أن المشكلة تم حلها بنسبة 90%"، مستدركًا: "لكن تحدث أخطاء بشرية"، فعملية الرش ليست يومية وفقًا للغريز.

الغريز حمّل بلدية البريج ومصلحة المياه مسؤولية استمرار المشكلة وقال: "هناك تقصير بحق الناس ومعهم حق الشكوى، حين ذهبتُ فوجئت بكميات المياه غير المعالجة والرائحة النفاذة، وعدم الرش المستمر، المسؤولية مشتركة ولا يوجد إدارة أزمة، ويجب محاسبة المتسببين عن استمرار المشكلة".

أما مصلحة مياه بلديات الساحل والتي ردت على مقابلة نوى بعد أسبوع كامل من التواصل، فأكدت أن المشكلة لم تعد كما كانت!

وفي مقابلة مع نوى تحدث هاشم طه مسؤول التشغيل في محطة المعالجة عن الأهمية الاستراتيجية للمحطة التي تخدم 700 ألف نسمة، وساهمت في حل جزء كبير من تلوث مياه البحر، وكذلك مشكلة تلوث مجرى وادي غزة الذي أصبح قابلًا الآن لتحويله إلى محمية طبيعية، كما تعمل وزارة الزراعة على فحص المياه الناتجة عن المحطة لبحث إمكانية استخدامها للزراعة.

وقال طه إن المحطة ومن خلال ثلاث مولدات تنتج 3.5 ميجا من الطاقة الكهربائية تحتاج منهم 1 ميجا، وتغذي الباقي بخط الكهربائي الرئيسي لمنطقة البريج، ويجري بحث إمكانية الاستفادة من غاز الميثان في توليد الكهرباء.

ومع الأهمية الكبيرة للمحطة، لكن طه لم ينكر وجود بعض المشكلات التي عانى منها الناس مؤخرًا، وقال إنهم لاحظوا انتشار الحشرات، وبعد التواصل مع الجهات التوجيهية تبين أن المشكلة أيضًا طالت المنطقة الغربية، وتم تزويد بلدية البريج بالسولار والمواد اللازمة لقتل البعوض، والقضاء على الحشائش التي توفر بيئة خصبة لتكاثره.

أما بالنسبة للرائحة الكريهة الناتجة عن توقّف ترحيل الحمأة "المخلفات الصلبة لمعالجة مياه الصرف الصحي"، خلال الأيام الماضية، فقال إن انتهاء عقد المقاول ليس مشكلة، فهي تم حلها في غضون يومين أو ثلاثة، والآن عملية الترحيل تتم بشكل طبيعي.

ووضح إن مشكلة الرائحة تم حلها بشكل كبير حاليًا، وهي لا تظهر إلا بشكل بسيط، ولمدة ساعة أو ساعتين يوميًا خلال عملية غسل المحطة، لكنه لم ينفِ تمامًا إنها لن تتجدد فهناك أمور خارجة عن إرادة المصلحة، فمثلًا خلال العدوان الإسرائيلي تم تشغيل المحطة عن بعد ولم يتم ترحيل النفايات الصلبة فظهرت المشكلة بشكل كبير.

كاريكاتـــــير