شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 29 نوفمبر 2022م09:56 بتوقيت القدس

موجة حرٍ بغزة.. "موت أحمر"

28 اعسطس 2022 - 12:45
صورة توضيحية
صورة توضيحية

شبكة نوى، فلسطينيات: ينقلب منزل عائلة أبو ياسر قدرًا يغلي في مثل هذه الأيام من "جهنّم" آب. تحوم زوجته في البيت ترش الماء على الأرض لعلّها تفرغُ بردًا وسلامًا على قلوب أطفالها، بينما زوجها متمدد في الصالة بفانيلا بيضاء خفيفة تقابلة المروحة الصدئة. يلعن الوضع ألف مرة بينما يرمق سقف الزينقو فوق رأسه بحسرة. ينفث قهره على هيئة زفير، ثم يكرر نداءه: يا رب أجرنا من لهيب جهنم.

الجدة والدة رب البيت، تنزوي وحدها على بطانيةٍ صغيرة، وتلوّح بصينيةٍ بلاستيكية قديمة ناحية وجهها لعلها تحظى ببعض النسمات، بينما تجفف عرقها المنساب على وجنتيها بطرف غطاء رأسها، وتسأل الله العون. هنا في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين المتكدّسة بالبيوت، والمختنقة بأنفاس البشر، أيام موجات الحر هي بمثابة أيامٍ مستقطعة من العمر. هي "موت أحمر" مع وقف التنفيذ على حد تعبير أحدهم في معسكر جباليا شمال قطاع غزة.

في أزقة مخيم الشاطئ الضيقة، يتناثر الناس على مصاطب البيوت. تلك أم خليل تجالس جاراتها مع تمام السادسة! حيث الصباح لم يسلّم نفسه لأهل القطاع بعد. تغلي إحداهن القهوة على عجل، وتخرج ومعها قنينة ماء ذاب عنها الثلج مع انقطاع الكهرباء طوال الليل. تبدأ حديثها بالدعاء على كل من كانت له يد في واقع أهل غزة، ثم تُقسمُ أن طفلها ابن العامين لم ينم طوال الليل بسبب الحرارة التي نشبت في جسده.

"فسافيس حمراء صغيرة" تصف لجارتها جلده، وتكمل: "لم يهدأ إلا عندما مدد جسده على البلاط. كنتُ طوال الليل أهوّي على ظهره بمروحة البلاستيك، بينما هو يبكي وجعًا".

تشارك الخمسينية أم فايز بالحديث فتقول: "ومين سمعك، صبّحت كنتي رمت طنجرة الملوخية بسبب قطعة الكهربا"، تشرد بذهنها قليلًا وتكمل: "أبصر عاد إيش تطبخ اليوم.. الله يعينها ويعين زوجها على المصاريف".

قصة الكهرباء بغزة "حزينة"، وفي مخيمات القطاع "قاتلة". ساعتان بين كل ثماني ساعات وصل "تنقطع فيهما أيضًا"، وبالتالي لا يرى أهل المدينة الكهرباء إلا ست ساعات في نهارهم. في موجة حر عاتية، وبيوتٍ ضيقة، لا مراوح تعمل، ولا حتى مواتير لرفع مياه البلدية إلى الخزانات إلا "صدفة"، وهنا: "حتى الاستحمام لتبريد الجسم يكون بحساب" تضيف أم فايز.

في مساحة لا تتعدى 360كم، يعيش  أكثر من 2.3 مليون نسمة. هذا الشريط الضيق المحاصر بين مصر وإسرائيل المسمى "قطاع غزة"، يحتاج في العادة إلى نحو 500 ميجاوات من الطاقة يوميًا في الصيف. ويستقبل 120 ميجاوات من دولة الاحتلال، بينما توفر محطة توليد الكهرباء الوحيدة في القطاع 60 ميجاوات أخرى.

تقول مروة اسليم، وهي والدة طفلٍ يعاني من الربو الشعبي: "في مثل هذا الجو، انقطاع الكهرباء يعني أزمة تنفسية حادة لطفلي، وأزمة نفسية لنا نحن عائلته". تحاول السيدة الأربعينية توفير بطاريات لمروحة بيتها الوحيدة بشكلٍ دوري بينما هذا يكلفها الكثير من المال الذي بالكاد تستطيع اقتصاصه من مصروف البيت، الذي يحصله زوجها بشق النفس من عمله في السوق.

وللرعاف قصة أخرى. في موجات الحر الشديدة، ينزف أنف مريم (5 أعوام) كل صباح، تصرخ وتنادي أمها: "ماما، دم". هنا تعرف الأم أن حرارة الجو العالية هي السبب، تمامًا كما يحدث معها في عز البرد.

تحكي أمها لـ"نوى": "يتكون بيتي من غرفتين وصالة جلوس، بينما سقف الزينكو هو سبب كل مشكلاتي". تشرح السيدة ذلك بالقول: "في الصيف، وبسبب اهترائه يسمع بدخول الحشرات، في بعض الأحيان القوارض، كما أنه يجمع حرارة الشمس كلها فوق رؤوسنا ويبثها نارًا في قلوبنا مرةً واحدة، وهذا يتسبب بالكثير من المشكلات الصحية لأطفالي. الحساسية الجلدية، والتهابات العيون، وكذلك الرعاف".

تبتسم السيدة وتُنزل رأسها نحو الأرض وتتمتم: "عادي، تعوّدنا"، ثم تزيد: "يفترض أنه غير عادي، ويفترض أن الإنسان وإن كان من طبعه التأقلم، أن لا يعتاش مع ما ينتقص من إنسانيته، لكن هذا نحن. هذا واقعنا، وهذه غزة".

كاريكاتـــــير