شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 02 ديسمبر 2022م06:02 بتوقيت القدس

يخنقهم "الحصار" ولـ"الحرب" قصة أخرى..

مرضى "الثلاسيميا".. شهقاتٌ مكتومة تحت نيران "إسرائيل"

20 اعسطس 2022 - 09:23

شبكة نوى، فلسطينيات: غزة:

ينسجم الشاب أحمد عيسى (25 عامًا) مع مجموعة دعم نفسي انخرط فيها مؤخرًا. يُصغي باهتمامٍ إلى زملائه هناك ويبتسم، فما يعانيه ربما "هيّن" أمام ما يكابده غيره. "على أية حال. واقع أحمد كواحد من 300 مصاب بالثلاسيميا في قطاع غزة مُرٌّ، "ولا يمكن الاستهانة بتفاصيله أبدًا" يقول.

المصابون بالمرض يعيشون ظروف الحصار بحذافيرها، ويعرفون معنى أن تُغلق المعابر، أو تنفذ بعض الأرفف في مخازن الأدوية التابعة لوزارة الصحة. هنا توضع الأيادي على القلوب، "هل أدوية الثلاسيميا منها؟".

يشير أحمد إلى يديه ووجهه ويقول لـ"نوى": "حالتنا النفسية على الدوام غير مستقرة. هذا اللون الداكن، وبروز الوجنتين، سببه انقطاع الأدوية، الذي ينتج عنه زيادة نسبة الحديد في الجسم، وبالتالي اختلال العمل في بعض الأعضاء"، ثم يصمت قليلًا قبل أن يكمل: "أنا مثلًا أزلتُ الطحال، ومثلي كثيرون".

التعايش مع مرضٍ يتطلب وضع إبرة يوميًا مدة 12 ساعة، أمر مرهق "لكن لا بد منه"، ليبقى المريض حيًا، لكن الانقطاع المتكرر للأدوية، "ودخول أصدقاء لنا المستشفى يدفع نحو تدهور حالتنا النفسية والصحية" يضيف، متسائلًا بصيغة الإجابة: "فما بالكم لو توفي أحدهم بسبب نقص الأدوية؟".

يحكي أحمد: "نتأثر كثيرًا بما يصيب بعضنا، فكلنا إخوة، ونعرف بعضنا البعض، وعلاقتنا قوية ومترابطة. بمجرد أن يدخل أحدنا المستشفى فورًا يصيب الآخرين حالة خوف. نعاني كثيرًا في حياتنا، خاصةً مع قلة وعي الناس بطبيعة مرضنا، لدرجة أننا نتعرض للتنمر، ونسمع الكثير من الكلمات الجارحة".

أقسى المواقف التي عايشها أحمد، كانت حين ذهب مع أصدقائه في رحلة إلى شاليه، وهناك منعهم صاحب الشاليه من نزول المسبح اعتقادًا منه بأن مرضهم معدٍ، بل إنه قام بتفريغ المياه ووضع الكلور في المكان، ما تسبب في إحراجٍ شديدٍ لهم، وحالة حزن كبيرة".

عنان أبو محسن، الذي يتلقى العلاج في المستشفى الأوروبي، أخبر "نوى" بدوره، أن مرضى الثلاسيميا، وخلال جائحة كورونا تم نقلهم إلى مقر الهلال الأحمر، ومن ثم إلى المستشفى التركي الذي لم يتجهز بعد لاستقبالهم بشكل جيد، "ناهيكم عن النقص الشديد في الأدوية التي لا تغطي الحاجة فعليًا، وعدم توفر مختبرات بنك الدم بشكل مستمر رغم الحاجة لتغيير الدم بشكل مستمر".

وتابع: "الكثير من المستشفيات، من الصعب عليها استقبال مريض الثلاسيميا حين يتعرض لوعكة صحيّة ليس لها علاقة بمرضه، كأن يحتاج إلى أخصائي أمراض باطنة، فبعض الأطباء يفضلون أن يشرف عليه طبيبه مع أن هذا لا يصنع فرقًا، فأي طبيب باطنة بإمكانه علاجه مثل أي مريض عادي".

ويأمل أبو محسن أن تتمكن وزارة الصحة في القريب، من إنشاء قسمٍ خاصٍ بهم، تتوفر فيه كل الإمكانيات الطبية، والتحاليل اللازمة، خاصةً في ظل تدهور الوضع النفسي للمرضى.

في السياق، يقول منسق جمعية أصدقاء مرضى الثلاسيميا في قطاع غزة، إبراهيم عبد الله لـ"نوى": "هذا العام شهد في بدايته انقطاعًا لعلاج الديسفيرال، لكنه توفر في مارس، وبسبب سياسة الترشيد فهو متوفر حتى الآن رغم أن الكمية التي وصلت تكفي ثلاثة أشهر فقط"، ملفتًا إلى أن هذا العلاج مكلفٌ جدًا ما بين (50 ألف دولار للأدوية، و37 ألف دولار ثمن 60 مضخة لحقن الديسفيرال".

ويحتاج مرضى الثلاسيميا إلى نقل الدم بشكل مستمر، ما يرفع نسبة الحديد في أجسادهم، وبالتالي يحتاجون إلى أدوية تخفض نسبته، "وغياب هذه الأدوية يؤثر سلبًا على الأعضاء الحيوية للجسم، ويظهر أعراضًا صحية جديدة لدى المرضى" يضيف عبد الله.

دخولٌ متكرر للمرضى إلى المستشفيات، و9 وفيات هذا العام فقط، نتيجة تدهور الوضع الصحي للمرضى. أمرٌ تسبب في تدهور الحالة النفسية لباقي زملائهم، ما دفع إبراهيم الى التوقف عن نشر إعلانات الوفيات الخاصة بهم، بل وإخفاء خبر دخول بعضهم إلى المستشفى.

يكمل إبراهيم -المصاب كذلك بالثلاسيميا: "يصيب المرضى خوف شديد في هذه الحالة، وتزداد حالة الخوف أوقات الحروب مثلما حدث مؤخرًا في قطاع غزة، فأي إصابة، ولو كانت بسيطة، نتيجتها الموت بالنسبة لمريض الثيلاسيميا، كذلك فإن دخول أيٍ منهم المستشفى في مثل هذه الأوقات لن توفر له العلاج اللازم، لهذا تشكل لنا الحرب رعبًا، وهذا ما جعلنا نكثف حاليًا أنشطة الدعم النفسي".

الأخصائية النفسية ريم بخيت، أنهت لتوّها تمرينًا للعب، وحضرت بوجهٍ ضاحكٍ سرعان ما تغير لدى حديثها عن مشكلة "الفقد" كأكبر مشكلة يعانيها مرضى الثيلاسيميا.

تقول ريم: "كلهم أصدقاء وعلاقتهم قوية، موت واحد منهم يصيب الآخرين بأزمة نفسية حادة، ولذلك هذه الجلسات مهمة لمحاولة التخفيف عنهم، لكن المشكلة قائمة خاصةً مع ضعف الإمكانيات التي تدعم وضعهم الصحي".

ريم هي أيضًا مصابة بالثيلاسيميا، وهي الأقرب لما يشعرون به، فكله عايشته، وتفهم كيف يمارس الناس التنمر عليهم بقصدٍ أو دون قصد.

تعقّب: "دون قصد يمارسه الأهل في الصغر حين يحرمون الطفل المريض من اللعب كباقي الأطفال، وبالطبع من باب الخوف، لكنهم لا يعلمون أن نظرات الشفقة قاتلة. حين كنتُ بالمرحلة الابتدائية، كانت المعلمة تعاقب كل طالبات الفصل إلا أنا، نظرة الشفقة هذه كانت قاتلة بالنسبة لي. كنت أكره هذا الشعور، وأريد أن أكون مثلهم تمامًا، حتى ولو بالعقاب".

تتابع: "الأقسى من ذلك كله، بعض الأسئلة التي يطرحها الناس، خاصةً تلك المتعلقة بشكل مرضى الثلاسيميا، كتلون الجلد، وشكل الوجه، وبروز الوجنتين. كل هذا مؤذٍ نفسيًا. أذكر أنني حين كنت بالمدرسة وأخبرت زميلاتي بأنني مصابة ثيلاسيميا، قامت إحداهن -وكنا أطفالًا- بسحب شعري لتتأكد أنه ليس باروكة. شعورٌ مؤلمٌ وقاسٍ، كنت سنويًا أغيّر المدرسة عدة مرات بسبب هذه المواقف".

لكن ريم التي تدرك جيدًا كيفية تقديم الدعم النفسي لزملائها وزميلاتها، تجزم أن من واجبها القيام بعملية توعية مجتمعية تشرح للناس طبيعة هذا المرض، وذلك كي تتوقف الأسئلة الجارحة، "ويبقى المهم توفر الأدوية والرعاية بشكل دائم، فهذا من شأنه رفع معنويات المرضى إلى أقصى حد" تختم.

كاريكاتـــــير