شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 25 سبتمبر 2022م17:30 بتوقيت القدس

"أبو العروس" استشهد

19 اعسطس 2022 - 13:28

طوباس:

كان يومًا عاديًا. استيقظ صلاح من نومه، فتوضّأ وراح يصلي الفجر في أحد مساجد مدينة طوباس شمال شرقي نابلس، ثم سار إلى المخبز ليجلب الخبز الساخن لعائلته من أجل طعام الإفطار. إلى هنا ولم يختلف شيء عن روتين كل صباح غير أنه وصل بيته "شهيدًا"!

قناصٌ إسرائيليٌ أطلق نحوه رصاصةً فاخترقت رأسه، فكان هذا آخر فجرٍ يشهده "حاضرًا" حيًا في جامع المدينة.

فاجعةٌ داهمت قلوب أبناء صلاح صوافطة (58 عامًا) يوم التاسع عشر من آب/أغسطس الجاري، عندما عاد إلى بيته محمولًا على الأكتاف شهيدًا، وهم الذين كانوا ينتظرون عودته لمقاسمته اللقمة، وتبادل أطراف الحديث، والتقاط بعض الصور للذكرى، فهذه آخر جمعةٍ لابنته وحبيبة قلبه "دنيا" في كنفه، قبل أن تغدو ملكةً في قلب زوجها بعد أيام.

"أبو العروس استشهد"، ما أبشع الحدث. تحوّلت طقوس العرس إلى مأتم. وصارت العروس يتيمة. من سيُسلمها لعريسها الآن؟ ومن سيهمس في أذنه "أبقها في ضي العين". من سوف تدمع عيناه وهو يراها بالفستان الأبيض، ويبادلها حضنًا ممتلئًا بالحب والحنان؟

هي ذاتها طقوس الفرح الملطخة بدم الأبرياء في فلسطين، والقاتل هو ذاته معروفٌ أمامهم. وحده الاحتلال من يتفنن باستنزاف القلوب، واغتيال الضحكات، وقتل الأمنيات هنا.

لا يكف الناس عن مواساة عائلته. "لكن هل من كلماتٍ تكفي للطبطبة على القلوب في مثل هذه الفاجعة؟" تتساءل مروة علي.

وهناك على صفحتها الشخصية في "فيسبوك" كتبت عبير الخطيب تقول: "هنا في فلسطين نُقتل دون سبب، نُقتل بوحشية مفرطة برصاص الجُند المدججين بالسلاح، الذين يتفننون بقتل الفرح ومواعيده ".

شقيق صلاح الذي أخذ يحتضن جثمانه، كان ضائعًا في التذكر، فمشهد رأسه مخضبًا بالدماء قاسٍ. الأقرب له كان مشهد الشاب إبراهيم النابلسي الذي اغتيل برصاص الاحتلال قبل أيام، وصور نجم نجم، وخليل أبو حمادة، والأخوين النيرب بغزة. الصورة ذاتها في ذاكرة الفلسطينيين المشبعة بالموت المستمر. تنظر إليها وكأنك تسمع منها (وهي صورة) صوت البكاء والحسرة. 

صلاح الذي قتله جنود الاحتلال اليوم، كان لا بد سيعود لتأدية صلاة الجمعة ظهرًا لو بقي حيًا، ثم لتناول غداءَه برفقة عائلته الودودة، ثم لعله سيجلس مع دينا ليوصيها -عن تجربة- بما ينفع حياتها في بيتها غدًا.

الطريق من المسجد إلى المنزل، كان مسافة موتٍ تحقق برصاصةٍ نافذة دخلت رأسه، مسافة أخرى من الموت. كلّ خطوة في فلسطين، وكل شارع، وكل مسجد، وكل منزل هي امتداد لمسلسل هدر دماء مستمر، من قبل الاحتلال الإسرائيلي.

كاريكاتـــــير