شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 25 سبتمبر 2022م18:19 بتوقيت القدس

الدفاع المدني بغزة.. رجال المهام المستحيلة

12 اعسطس 2022 - 09:59

شبكة نوى، فلسطينيات: غزة :

في كل عدوانٍ على غزة، ومع كل تصعيدٍ إسرائيلي في هذه البقعة الجغرافية الصغيرة، تنقل عدسات المصورين مشاهد مؤلمة لرجال الدفاع المدني وهم يسابقون الزمن، وبأيديهم الخاوية ينبشون الركام لانتشال الضحايا من الشهداء والجرحى.

آخر هذه المشاهد كانت خلال التصعيد الأخير "ثلاثي الأيام"، وكان مسرحها "مخيم الشعوت" بمنازله المتلاصقة وأزقته الضيقة.. في هذا المخيم كان "فدائيو الدفاع المدني" أمام "مهمة مستحيلة" من مهامهم اللحظية على مدار الساعة، بإمكاناتهم البسيطة والمتواضعة، أمام جرائم إسرائيلية مروعة.

ثماني ساعات وأكثر استغرقها العمل لانتشال الشهداء والجرحى من تحت ركام المنازل المستهدفة والمتضررة هناك. لم ترحم مقاتلات الاحتلال الحربية البسطاء الذين يحتمون بـ "جدرانها المتواضعة"، وأمطرتهم بوابلٍ من قذائفها الجوية لتحولها ركامًا مدمرًا ومتناثرًا.

في مشاهد حياتية مؤلمة لسكان هذا المخيم، يتكرر أن موتاهم لا يستطيعون الخروج بهم من تلك المنازل الصغيرة والمتلاصقة على "نعش"، لضيق الأزقة والشوارع، فيضطرون إلى "لف موتاهم بأغطية" وحمل الجثمان على أكتاف الرجال..

كانت هذه واحدة من عقبات كثيرة وقفت أمام طواقم الإسعاف والدفاع المدني، ولم يكن من بدٍ أمامها سوى "هدم" منزلين متلاصقين، لإفساح الطريق أمام "المعدات الثقيلة"، للوصول إلى المنزل المستهدف، وبدء محاولةٍ بدت "يائسة" للوصول إلى ضحايا أحياء تحت الركام.

يقول الملازم أول محمد أبو محسن، الضابط المناوب في إدارة الدفاع المدني برفح وقت وقوع "المجزرة: "ما واجهناه خلال 8 ساعات في المخيم من أجل الوصول للضحايا تحت الأنقاض، غيضٌ من فيض مشاهد كثيرة مؤلمة ومتكررة، نتعرض لها في كل الحروب والاعتداءات الإسرائيلية على غزة".

وتبدأ "المهمة المستحيلة" لرجال الدفاع المدني -وفقًا لأبو محسن- بمجرد تلقيهم "الإشارة" والخروج للميدان. "نحن نعلم أننا قد نخرج ولا نعود، فالاحتلال لا يفرق في جرائم القتل والاستهداف بين فلسطينيٍ وآخر، وحتى العاملين في "المهام الإنسانية" كالإسعاف والدفاع المدني عرضة للقتل أو الإصابة".

المهام جسيمة وثقيلة على منتسبي الدفاع المدني، ولا تتناسب معها، "فالإمكانات متواضعة والمعدات بدائية"، وحسب أبو محسن ففي أوقات العدوان والأزمات "لا فرق بين ميداني وإداري، الجميع يشارك بكل جهده في العمليات الميدانية".

أبو محسن، كان شاهدًا بنفسه على جرائم عدة ارتكبتها قوات الاحتلال خلال عدواناتها المتكررة على غزة. يضيف: "رغم أننا نعاني من نقص شديد في معدات الحماية الشخصية، وكذلك في الآليات الحديثة للانقاذ، إلا أن طواقم الدفاع المدني تلقي بنفسها في المخاطر علها تساهم في إنقاذ حياة إنسان".

في يومي التصعيد الأخيرين على غزة، كانت الجريمة الإسرائيلية في "مخيم الشعوت" التحدي الأصعب، برأي المتحدث باسم الدفاع المدني بغزة الرائد محمود بصل، الذي تحدث لـ نوى" بتفاصيل كثيرة مؤلمة عن الصعوبات التي تواجهها طواقم الإنقاذ في الميدان، بسبب قلة الإمكانيات والمعدات، التي تمنع سلطات الاحتلال الإسرائيلي دخولها لقطاع غزة على مدار سنوات الحصار الطويلة.

وخلال العدوانات السابقة على غزة، استشهد 34 من منتسبي الدفاع المدني، وأصيب العشرات منهم إصابات متفاوتة. "البعض منهم سيعيش بقية حياته بإعاقة ترافقه"، فهم يعملون من دون أي "حصانة" رغم كل ما ينفذونه من "مهام إنسانية" تكفل القوانين والمواثيق الدولية الحماية للعاملين فيها.

وحول النواقص التي يعاني منها جهاز الدفاع المدني، فتتلخص -وفق بصل- في أجهزة الأكسجين، اللازمة للتنفس الصناعي، وهي بمثابة رئة ثالثة لرجل الدفاع المدني، والكمامات التي تحمي المنقذين من السموم، ولوازم شخصية ضرورية لحماية العاملين في الطواقم الميدانية، ومعدات الحفر في الباطون، وأجهزة البحث عن أحياء تحت الركام وهي مزودة بكاميرا، وملحقة بشاشة تليفزيونية لمتابعة الطواقم أي حركة تحت الركام، بالإضافة إلى أجهزة كاشفة للسموم.

ويضيف: "الدفاع المدني يعاني أيضًا من العربات المتهالكة التي يعود تاريخ عملها إلى تسعينيات القرن الماضي، ما يناقض البروتوكول المعمول به عالميًا، وينص على أن لا تزيد مدة عمل سيارة الدفاع المدني عن 5 أو 6 سنوات على أبعد تقدير، حيث لا بد من إخراجها من الخدمة واستبدالها بعد ذلك، وهو ما لا يمكن تحقيقه في غزة، بسبب الحصار والقيود الإسرائيلية، التي تحرم غزة من كل شيء بحجة ازدواجية الاستخدام".

وتتعدى أزمة الدفاع المدني النقص في الآليات والمعدات، وتهالك المتوفر منها، إلى ما تعانيه الطواقم البشرية من قلة تدريب. يتابع بصل: "لسنوات طويلة لم يسافر أحد من أفراد هذه الطواقم للانخراط في دورات تدريبية متقدمة في الخارج، وما هم عليه الآن خبرات اكتسبوها من ميدان الحروب والأزمات".

وفي هذا الصدد أيضًا، تشير البروتوكلات إلى أنه لكل ألف موطن رجل دفاع مدني يعمل في مهام الخدمات الميدانية، في حين أن الكوادر البشرية الإدارية والميدانية وفي كافة أقسام جهاز الدفاع المدني في غزة لا يتجاوز عددها 900، فيما عدد السكان المقدر بنحو مليوني مواطن وأكثر، يتطلب 2000 عنصر ميداني.

هذا الواقع دفع الرائد بصل إلى وصفه ما يقوم به الدفاع المدني بأنه "عمل بـساقٍ واحدة"، وربما يؤدي إلى عدوان إسرائيليٍ غادرٍ وقريب إلى "انهيار" هذه المنظومة الخدمية الحيوية.

  

كاريكاتـــــير