شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 25 سبتمبر 2022م18:03 بتوقيت القدس

شوارع المخيّم تئن فبائع البطّيخ "الودود" استشهد

11 اعسطس 2022 - 13:07

قطاع غزة:

لم يكن ذلك الوسيم يعلم أن بطّيخاته التي نسّقها بعناية ليلة الأمس "كرمال عيون الزبائن"، ستنزف "أحمرها" صباحًا تمامًا مثلما سينزف جسده.

يقول جيرانه إنه "كان مبتسمًا وهو يعدُّها ويرتّبها على العربةِ واحدةً واحدة تجهيزًا لبيعها صباحًا"، ويصفه شقيقه يوسف: "كان طيبًا وكريمًا، وحبيبًا ناصحًا، وصديقًا صدوقًا".

إنه ضياء، صار اسمه الشهيد ضياء البرعي. عاش بمنزله الكائن في مخيم جباليا للاجئين شمالي قطاع غزة (32 عامًا) قبل أن يستشهد صبيحة السابع من آب/أغسطس الجاري حيث طيران "إسرائيل" يدكُّ قلب غزة.

بائع البطيخ "الودود" استشهد بعد لحظاتٍ من حوارٍ جمعه بأمه: "سألني ماذا ستطبخين لنا اليوم، أخبرته أنني سأصنع طبيخ البازيلاء، فابتسم ورد: يا سلام على قلب الأم. نفسي فيها يما"، "لا هو أكمل يومه، ولا قضى نفسه، راح شهيدًا إلى مثواه الأخير" تضيف.

ينهار شقيقه باكيًا ويقول: "أرافقه كل مرة في البيع على العربة، إلا هذه المرة. وكأنَّ القدر اختارهُ وحده. صرتُ أكره الفواكه، وأكره بيعها أو رؤيتها. هذه المنطقة صارت كابوسًا مرعبًا بالنسبة لي".

إنه الفقر الذي لا يعرف عدوانًا قائمًا، ولا يفهم غير لغة "السعي لرزقك". لا سبيل للنجاة في قطاع غزة المحاصر منذ 16عامًا، والذي يقع فريسة لعدوانات الاحتلال سوى السعي، هكذا يقول الناس.

في ذلك اليوم كان وقع الضربات أسرع. انفجارٌ هزّ أرجاء المنطقة بينما كان ضياء يهمّ بالخروج. قصفٌ مجاورٌ لمنزل عائلته التي أخذت حجارته تتساقط تباعًا بفعل الضربة. دوّى صوته عاليًا "أنقذوا أمي، أمي بالداخل، أنقذوها". كان هذا النداء الأخير. كان الصباح الأخير. سقط جدار المنزل عليه فراح "شهيدًا" تقول أمه وتبكي.

كلما وقع حدث مفجع، تبحث الأمهات عن أبنائها وبناتها. وهنا، يفنى العمر ولا تنتهي الفواجع. تراق دماء فلذات أكبادهن فينجو البعض صدفة! وغالبية الأحيان يباغتهم الموت، وقصص الموت المخضّبة بالدماء في فلسطين، مرهقة قاسية. 

تستحضر أم ضياء مخزون حزنها على ضياء، فتخبرنا أنها كانت تحلم بأن تراه عريسًا بجانب عروسه التي يختارها قلبه، لولا سوء الظروف الاقتصادية التي لم تسمح له بذلك.

تخيّلت لوهلة أنها تتجهز لعرسه، وتحضّر الحناء كأبرز طقوس الأفراح، أن يغني أصحابه ويرقصون في "حمام العريس"، والزفة تدق طبولها ومزاميرها بالخارج. أن تفخر بكونها أم العريس، فيلتف النساء حولها بالشموع والغناء: "يا أم العريس الله يتمّ عليك".

في أمكنةٍ كغزة، وواقعٍ كالذي تمر فيه، تُصبح حتى الأعراس حلمًا للأمهات ولأبنائهم. لكنها تعود لتصبح حقيقةً في ثوانٍ معدودة، تمامًا كقصة ضياء وأمه. لم يستطع الزواج، لكن عرسًا وطنيًا قام في استشهاده، فزُفَّ بالدموع. ليست دموع الفرح، بل دموع الفقد والفراق. 

كاريكاتـــــير