شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 01 ديسمبر 2022م11:51 بتوقيت القدس

استشهد برفقه صديقه.. وحصانه

إرثٌ من الدمع تركه "شادي" لقلب أمه.. وكيس خردة

10 اعسطس 2022 - 17:03

شبكة نوى، فلسطينيات: تضع إصبعك على قلوب الباكين في صور المجازر. تُحدّثهم كما لو أنهم يسمعونك قبل أن تسحب الشاشة لأعلى: "الله يصبركم. الله يلطف بقلوبكم"، ثم تستوقفك صورة تبتلع بعدها كل الكلام! حصانٌ وعربة.. وشهيدٌ كان في طريق رزقه يسعى، فعاد في كفن.

شادي كحيل، شهيد الرزق قرب مفترق السامر إلى الشرق من مدينة غزة، الذي لم يكن يستطيع الاحتماء من صواريخ "إسرائيل" داخل بيته مثل أي إنسانٍ عادي، فهو معيل أسرته.. الوحيد، الذي إن خرج يسعى عاد بلقمةٍ يسد بها جوعهم، وإن غاب سمع قرقرة بطونهم في قلبه.. وإن لم يُظهروا.

يعمل شادي في جمع الحديد الخردة، والبلاستيك، والخبز الذي كان يعمل على تجفيفه من أجل بيعه لتجار الأعلاف. كان يكسب في نهاره شواقل معدودة، ويحمد الله كثيرًا لأنه "اليوم لم يحرمه"، ثم يعود لأبنائه بما طلبوه بالحدّ الأدنى، فدموعهم "غالية" على قلبه جدًا، وفق زوجته.

أمه المكلومة بكته كثيرًا، فهو الظهر والسند، "مين راح يشوف أمورنا بعده؟" تساءلت بينما دموعها تنهمر. وتزيد: "شادي ما كانش يحمل صواريخ، شادي كان راجع لولاده بخبزة وكيكة علشان يفرح قلوبهم".

والدة شادي مريضة سكر وضغط، وكان هو المتكفل بعلاجها وحده. كان يقطع اللقمة عن فمه ليطعمها حسب تعبيرها، "لكنه اليوم راح، راح شادي وما حد ضل إلي" تتمتم.

تنظر إلى بيته البسيط الذي رغم افتقاده للكثير من الاحتياجات، تراه "قصرًا"، كيف لا؟ وقد بناه بكدّ يمينه؟

تكمل: "لا أبواب ولا نوافذ هنا، الجدران فقط تسترنا، وشادي كان حارسنا الذي إذا تأخر عنّا قليلًا فقدنا الأمان، فما بالكم ونحن اليوم نعرف أنه لن يرجع أبدًا؟".

شادي الأب لطفلٍ رضيعٍ وطفلة، لم يستشهد وحده، بل ارتقى برفقته حصانه، وصديقه الشهيد خالد ياسين، ومعه الكثير من الأحلام التي بنتها زوجته وأمه في معيشةٍ أفضل "بوجوده"ظهرًا وسند.

تقول زوجته لـ"نوى": وضعنا المادي تحت الصفر، نحن نسكن مع عائلته في نفس البيت، وهو المعيل الوحيد لنا جميعًا"، وحتى الحصان الذي اشتراه مؤخرًا ليعمل عليه لم ينتهِ بعد من سداد ثمنه.

تبكي وتردد: "ما كنت أتوقع أبدًا إنه يتركنا هيك. كان الأمان بالنسبة إلي، وكان بيموت بأولاده، بس هذي إسرائيل، وهذا فكرها: فلسطيني يعني لازم تموت". تختم إلى هنا حديثها وتشيح بوجهها عنا لتنخرط في دوامة بكاءٍ عالية، وهي تتمتم: "الله يرحمك يا شادي".

استشهد شادي وترك خلفه عربة حصانه محطمة، وميراثًا بسيطًا من الخردة التي كان قد جمعها ليومه، والكثير من الدموع تبكي شهامته ونبله.

كاريكاتـــــير