شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 25 سبتمبر 2022م17:09 بتوقيت القدس

هدم بيته فداءً لجيرانه.. الشهداء والأحياء

يومَ سقى "القيسي" قلوب المُلتاعين "أملًا" برفح

08 اعسطس 2022 - 16:33
أشرف القيسي وابنه الجريح أحمد/تصوير: حسام سالم
أشرف القيسي وابنه الجريح أحمد/تصوير: حسام سالم

رفح - غزة:

رنّ جرس الهاتف فجاء صوت المتصل بعيدًا "يلهث": ألو، إلحق يا أشرف بيتك انقصف وفيه إصابات". الصدمة ألجمته! ارتجفت يده، وسقط الهاتف أرضًا. خفق قلبه كما لم يخَف من قبل. جرى يسأل عن ما أصاب عائلته.. ولم يفكر بأبعد من ذلك قط.

اسمه أشرف القيسي وعمره (46 عامًا)، رجلٌ بسيطٌ يعمل في بيع الخبز المحشو بالشوكلاتة لأهالي مخيّم رفح. هو أب لستةٍ من الأبناء والبنات، وصاحب بيتٍ صغير يقع في مخيم الشعوث بمدينة رفح جنوب قطاع غزة، و"بطل" عندما تعلّق الأمر بأرواح جيرانه.

حدثٌ إنسانيٌ هزّ المدينة "اهدموا بيتي وانتشلوا الجرحى من تحت الأنقاض". وفي التفاصيل: بدأت القصة بغارة إسرائيلية استهدفت منزلًا مقابلًا لبيت القيسي، لكن الزقاق الفاصل بين المنزلين لم يكن يتسع –كما هي طبيعة كل المخيمات- لمرور آليات الدفاع المدني المسؤولة عن التنقيب، وإزالة الركام. 

بيت القيسي بسيط البناء انهار جزئيًا، وعندما وصله وقف برهةً يسأل نفسه: من أين أبدأ البحث؟ صار يفتش بين الركام لعله يجد أبناءه، وبين برهةٍ وأخرى كان الله يرسل له الأخبار كـ"زمزم": "أحدهم نقل ابني إلى مستشفى الكويتي المجاور، والباقون في حماية الجيران بمكانٍ أكثر أمنًا، زوجتي وابني أصيبا بجراحٍ متوسطة لكنهما بخير، وهنا لا أهمية لأي شيءٍ آخر". 

ثمانية شهداء، وعشرات الجرحى تحت الركام وحيدون إلا من دعوات أحبتهم، والمسعفون وطواقم الدفاع المدني يزيلون الركام بأظافرهم! يقول القيسي: "الفرحة التي شعرت بها عندما مُنيت بسلامة أبنائي وزوجتي، تمنيتها لكل المنتظرين فوق الأرض. شعرتُ بالعجز أمام دموع الناجين حولي، لكن لا وقت للندب".

دوّت صرخة أشرف جلية "اهدموا بيتي إيش بتستنوا؟!" ليست القصة سهلة، أن تخرج بعض احتياجاتك من منزلك الذي يمكن أن ترممه، ثم تسمح بهدمه في عملية استغرقت نحو أربع ساعات! قاسيًا هو الشعور. "كان قاسيًا لكن ضميري ارتاح، فمنزلي كان في وجه الطريق، ووحده الهدم كان حلًا من أجل إنقاذ أرواح الناجين، وانتشال الشهداء أيضًا" يقول.

لم تتجاوز مساحة منزل القيسي الـ 65 مترًا. لم يكن مهيأً للعيش الآدمي بمعنى الكلمة، لكنه كان مأوىً دافئًا ظنّ أصحابه أنهم ربما يتقوقعون في زواياه فيحميهم من القصف! لكن الاحتلال ردّ بقصف المنطقة فانهال فوق رؤوسهم "حرفيًا".

جريمةٌ جديدة ارتكبها الاحتلال بحق الفلسطينيين المحاصرين بين الأسلاك الشائكة منذ 16 عامًا، وبين عدوانات طاحنة تحصد المزيد من الأرواح.. شهداء وأحياء! الأحياء ليسوا بخير، بل ميتون مع وقف التنفيذ.

هذا ليس العدوان الأول الذي يمر على حجارة المنزل المتواضع، فقد تضرر جزئيًا بقصفٍ إسرائيليٍ استهدف المنطقة خلال عام 2021م. يعقب القيسي: "راح المنزل، وراح عددٌ من أبناء جيراني إلى مثواهم الأخير. لم أتخيل أن الجمعة الماضية كانت آخر "لمّة" لعائلتي داخل بيتنا. شريط ذكرياتٍ أليم، فهنا تزوجت، وهناك لعب أول طفل لي، وهنا وجدت دم أبنائي الجرحى، ومن هنا استطعنا إنقاذ أرواحٍ أيضًا".

ختامه كان أمنية "أن تقف الحروب. نحن بحاجة لسلامٍ داخلي، زهقنا. تعبنا. نحن ميتون في الحقيقة. نفسي أعيش، هل هذا كثير علينا؟" من يا تُرى يجيب تساؤلاته؟ 

كاريكاتـــــير