شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 24 سبتمبر 2022م23:31 بتوقيت القدس

جيران "الضربة الأولى".. "سَكينةٌ" اغتيلت في برج فلسطين

06 اعسطس 2022 - 13:46

قطاع غزة:

الرابعة والنصف من عصر الجمعة. حتى ذلك الوقت، بدا كل شيءٍ عاديًا في منزل عائلة عناية الكائن في برج فلسطين وسط مدينة غزة: كنزي (12 عامًا) تشاهد أفلام الكرتون على هاتف أمها، وعلي ابن السنوات العشر ملّ من جو المنزل فخرج يلعب مع أبناء جيرانه في الطابق الثامن حتى انتهاء الساعة المخصصة لأخته على الهاتف، أما أمهما "تهاني" فانتهت للتو من حمّام يوسف (4 سنوات)، وشقيقه أحمد (عام ونصف) مع كثيرٍ من الحب والقبلات.

بين هذه التفاصيل فجأةً طار زجاج النوافذ، وانهارت الجدران كقطع البسكويت. خرجت من تحت الركام رؤوس بيضاء نَفَثَ أصحابها تراب الردم قبل أن تصرخ دمعاتهم: ماما!

طائرةٌ حربيةٌ إسرائيلية قرّرت أن هذا اليوم لن يمر بسلام، وأن تلك الضحكات التي ضجّ بها البيت قبل لحظات ستنقلب دموعًا وأسى، فأطلقت صاروخًا صوب البرج دونما سابق إنذار.

أصوات صراخٍ مهولة انبعثت من الشقق المجاورة، ودوّت برأس تهاني التي صرخت أيضًا. كانت تبحث عن أطفالها، وغطاء رأسها للهرب بينما هي غير أكيدة بأنها "نجت"، هل هي ترى كابوسًا؟ أو أنها تحتضر؟ أو هي فعلًا على قيد الحياة؟

يرتجف صوتها وتتحدث لـ "نوى": "لستُ بخير، شاهدتُ ما لم أشاهده طوال حياتي. متُّ مئة مرة وأنا أبحث عن علي الذي كان يلعب أعلى البرج".

اللحظة الفارقة في حياتها كانت "عندما وجدته حيًا، وحيدًا يصرخ، وقد أخذته أقدامه إلى حيث يهرول السكان.. إلى أسفل البرج في شارع الشهداء الذي تطابق اسمه تمامًا مع ما حدث في هذا اليوم". الخامس من أغسطس/آب، يوم الضربة التي أخذت أرواح 10 شهداء دفعة واحدة.

"كان أبيضًا تمامًا، وكأن أحدهم رشه بكمية وفيرة من الطحين حتى غطى ملامحه، لم أصدق أنه طفلي" تخبرنا، وتتابع: "أخذتُ أمسحُ وجهه للتأكد من ملامحه، ثم احتضنته، وسجدتُ لله شكرًا على سلامته، ثم أكملت مشوار النزوح. مع أطفالي، ونحن نبكي بصوتٍ واحد".

تتساءل السيدة التي لم تصحُ حتى اللحظة من قتامة ذلك المشهد: "إذا كانت هذه حياة، فكيف يبدو شكل الجحيم؟".

"كنزي" الصغيرة أدلت بشهادتها بكلامٍ مُرسلٍ وكأنها استعدت لمقابلات الصحافة! قالت: "هكذا في أمان الله كنا نمارس حياتنا، وفجأة طار زجاج النافذة على رأسي، كنت أشاهد الكرتون على الهاتف لكن حتى هذه لم تمر بسلام. يقتلون أمننا وأماننا ونحن في منازلنا بأي وقت يريدون. هذا كثيرٌ جدًا على قلوبنا والله".

علي لا يزال مصدومًا، لا يتكلم ولا يؤتي بحركة، ويوسف كذلك. وأما أحمد، فيلعب مع جدته التي احتضنتهم في منزلها، غير مدركٍ "لماذا الكل عابس هكذا"! ابن العام والنصف لا يعرف بعد ماذا تخبئ له الحياة فوق أرض غزة، ولم يفهم أيضًا دعاء أمه له وهي تبكي: الله يجعل أيامكم أحلى من أيامنا يا حبيبي.

كاريكاتـــــير