شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 25 سبتمبر 2022م18:27 بتوقيت القدس

الفقر يحرق أهله بغزة وجسد "حسني" يشهد 

25 يوليو 2022 - 16:42

قطاع غزة:

"يمّه طفيني" ما زالت هذه الكلمات تخترق أذنها كمسمارٍ أُحميَ في "جهنم". ما زالت تلاحقها تمامًا كتلك النار التي شبت بجسد ابنها أمام عينيها. "حسني" الذي ظن أن موته سيكون أفضل من حياةٍ يعيشها في الفقر والعوز داخل قطاع غزة اختبأ بين ذراعي أمه بعد أن أشعل النار بجسده الهزيل. ضمّته إلى صدرها، وحاولت إطفاء النار بذراعيها حتى احترقت معه.

حسني أبو عربية (26 عامًا)، وهو من سكان مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، أقدم على حرق نفسه بعدما سكب البنزين على ملابسه في الثاني والعشرين من يوليو/تموز الجاري، وتوفي في صباح اليوم التالي، بعد تعرضه لإصابة حرجة، وحروقٍ من الدرجة الثالثة.

كان الشاب يعيش مع أفراد أسرته بمنزل إيجار قبل أن يطردوا منه، وربما كان هذا أحد الأسباب التي ساهمت بدفعه للانتحار في ذلك الوقت، فليس للإنسان سوى منزله حتى يتقوقع بفقره، "وحتى هذه حُرِمنا منها وطُردنا، وأخذ البعض يعايرنا" تقول أمه.

الأب مريض بضمور الكلى ويحتاج إلى إجراء عملية جراحية لا يستطيعون تدبير تكاليفها، والأم كذلك. مريضة وتقاوم مرضها لأجل أبنائها.

كان حسني بحسب والدته يعمل في الأسبوع يومًا أو يومين، من السادسة صباحًا حتى التاسعة مساءً بمبلغ 30 شيكلًا (8 دولارات). لا تكفي للمياه، ولا للمأكل، ولا للمشرب، ولا للمواصلات، ولا لإيجار المنزل.

تضيف أمه: "شاب ضاقت الدنيا بعينه وقفلت كل الأبواب بوجهه. لم يجد أمامه خيارًا سوى الموت السريع بدلًا من الموت البطيء الذي نعيشه جميعًا هنا".

وتزيد: "دفاتر الدين في دكاكين الحارة تشهد على وضعنا. لا مجال للسداد، ولا مجال حتى للهرب من الدائنين، فالكل يعيش أوضاعًا سيئة، وأصحاب الدكاكين أيضًا بانتظار أي مدخول يساهم بإنعاش أوضاعهم، لكن ليس باليد حيلة!".

تسيل دموع الأم المقهورة على الشاشات هذه المرة، تجرّعت الألم وتشجعت للحديث علنًا في محاولة للفت أنظار المسؤولين عن هذه البلاد، صرخت: "ليس لدينا مأوى، ولا منزل نسكنه. وإذا وُجد وصف للوضع الذي نعيشه، فهو أقل من تحت الصفر".

ولبيت العزاء قصة أخرى، فقد فُتح بمنزل أقرباء لهم ولمدة ثلاثة أيام لاستقبال المعزين، وبعدها سوف تنصب الأم خيمة على شاطئ البحر وتبكي فقدها وفقرها هناك تحت أشعة الشمس الحارة – تخبرنا -.

تخشى على ابنها الأصغر وهو في الثانوية العامة، تخشى من تأثره بوفاة شقيقه، وترتعب من فقدانه هو الآخر بالطريقة ذاتها "منتحرًا". وتتساءل: "من ينصفنا؟ من يساعدنا؟ من ينتشلنا من قاع الفقر الذي يطمرنا دون أن يعلم بنا أحد".

وأما شقيقته التي راحت تستقبل المعزين في منزل عمها، وتحكي للناس عن شاب بعمر الورد قدم عمره وقودًا لحربٍ مندلعة يشنها الاحتلال على القطاع بحصاره فينهش فيها أرواح سكانه، حربٍ بطيئة أذابت عظامهم بحثًا عن سبيلٍ للنجاةِ من بؤسها.

أكثر عبارة رددتها هي: "ليس هناك عدل في الحياة، ولذلك حرق حسني نفسه وأنهى حياته"، لكن ما يؤلمها أكثر أن حتى وداعه لم يأت طبيعيًا. لقد ودّعته من فوق الكفن نظرًا لصعوبة وضع جسده المحروق.

تتابع: "اختفت ملامحه، واحترقت بنيران فقرنا، يا لحزننا ويا لوجع قلوبنا عليك يا حسني".

حسني ليس الوحيد هذا الشهر، إنها حالة الانتحار الثالثة التي يعلن عنها خلال وقتٍ قصير، قيل إنها تتعلق بالظروف الاقتصادية التي تشتد سوءًا على الناس. لم يبق في الشباب روحٌ للانتظار أكثر. حياة تضيع بالركض إلى غير هدى. 

الركض خلف فرص العمل، وخلف جدول الكهرباء والمياه. ركضٌ خلف الحياة، وأي حياةٍ هذه التي لم يجربها جيل الحصار؟ لم يتمتع بيوم كامل "طبيعي" بأضواء منارة وتهوية جيدة يحصل عليها الفرد كأبسط حقوقه.

في وقتٍ سابق، صرحت الحكومة بغزة أن عدد محاولات الانتحار حتى منتصف عام 2018م وصلت إلى 373 حالة، من بينها 15 حالة وفاة.

وشكلت محاولات الانتحار حينها في صفوف الإناث حوالي 53 في المئة، بواقع 199 حالة، و46.6 في المئة للذكور (174 حالة).

 ومعظم محاولات الانتحار كانت من قبل فئة الشباب، لا سيما من هم دون الـ30 سنة، بما نسبته 87 في المئة من محاولات الانتحار، وفي عام 2017م، وصل عدد حالات الانتحار إلى 37 حالة أفضت إلى الموت، في حين سجّلت 759 محاولة للموت "وبهذا كان عام 2017م، الأسوأ فيما يتعلق بقضية الانتحار خلال السنوات الماضية".

ووفق مصدر في الشرطة الفلسطينية لـ "نوى"، فإنه منذ عام 2019م، وحتى حزيران/يونيو من 2022م، بلغ عدد حالات الانتحار التي أفضت إلى الموت 21 حالة.

كاريكاتـــــير