شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 25 سبتمبر 2022م17:53 بتوقيت القدس

بلا ماء ولا كهرباء..

صيف غزة.. أرواحٌ تذوب في "جهنّم" تمّوز

20 يوليو 2022 - 17:36

قطاع غزة:

لن يبدو الأمر طبيعيًا حتى وإن تجاوز عمر الأزمات في قطاع غزة  الـ16 عامًا تحت حصار "إسرائيل". انقطاع الكهرباء ليس عاديًا.. انقطاع الماء، غلاء الأسعار، واختناق الناس في منازلهم تحت أسقف الصفيح ليس عاديًا كذلك.

العادي الوحيد هنا أن الناس يصرخون بأعلى أصواتهم منذ سنواتٍ بعيدة، ويتساءلون: هل يسمعنا أحد؟ فلا يجيبهم إلا رجع الصدى!

تقول أميرة حسنين: "إن العالم لا يعرف غزة سوى في أيام العدوان. يروننا نموت -على المباشر- تحت ضربات الصواريخ والقذائف، أما ما دون ذلك، فهم لا يدركون أننا نعيش داخل علبة كبريت، نكاد نحن "الأعواد" فيها نذوب من فرط الرطوبة والحر والقهر، وربما تنفجر بنا العلبة وتُلهب نفسها مرةً واحدة".

الوضع في القطاع بصورة مبسّطة –لمن يقرأ هذا التقرير من خارج حدودنا- هو كالتالي: ست ساعاتٍ من الكهرباء مقابل 18 ساعة من الفصل. الماء تصل بيوت المواطنين مرةً كل يومين ولساعاتٍ محددة. الناس ترقب "الصورة نفسها" على شاشات هواتفها المعلّقة طوال الوقت بأسلاكٍ تمدها بالشحن عن طريق "الباور بانك".

الرجال في المنازل تسير على نمطٍ واحد، لا مفرّ أمامها سوى ارتداء "فانيلا بيضاء قطنية" (قطعة ملابس داخلية) مع "شورت" يشبهها، لتخفيف الحر.

وفي المقابل، ترتدي النساء غالبًا ثوب الصلاة المصنوع من القطن لإنجاز مهامهن المنزلية خارج إطار المنزل، على الشرفات، وفوق الأسطح، وأمام الباب لتنظيف العتبة. تدور الواحدة منهن كنحلةٍ في خليةٍ كبيرة لإتمام مهامها المنزلية خلال ساعات وصل الكهرباء.

وعن الأطفال، فإنهم لا يوفرون أدنى فرصة لتبليل أنفسهم بالماء، لتعلو أصوات الأمهات في المنازل: "خلصتوا المي، إرحمونا".

"الحياة هنا تكسر الظهر" بهذه العبارة تستكمل أميرة حديثها لـ "نوى"، وتشكو تبعات النوم على بلاط المنزل في محاولةٍ لإطفاء النار التي تشب بجسدها نتيجة الحر. 

تخبرنا أنها في فترة الليل لا تستطيع فتح شباك غرفتها المقابل لمنزل جيرانها، فهي تسكن في مخيم الشاطئ، حيث مسافة أقل من متر تفصل بين بيتها وبيتهم. إنهم –لوهلة- يشعرون أنهم يعيشون مع بعضهم البعض لولا الجدار الفاصل، وهو مشترك بينهم. 

لا خيار هنا لها سوى النوم على البلاط، هذا في الليلة التي تكون فيها الكهرباء مقطوعة، تتقلب طوال الليل يمينًا ويسارًا، وتصحو على صوت عظام رقبتها التي تكاد تناجيها أن تخفف عنها هذا الجحيم! "فهل تريدين أكثر من هذا ليعرف العالم كيف نعيش؟" تنهي حديثها.

والحال هذا، يسير على معظم الفلسطينيين في القطاع، حتى وإن توفرت موارد أخرى لتوليد الكهرباء على سبيل المثال لا الحصر، ففاتورة ذلك باهظة  بالنسبة لمتوسط دخل الفرد الذي يصل إلى 1200 شيكل (300 دولار)، أي أقل من الحد الأدنى للأجور، الذي يبلغ 1880شيكلًا (582 دولارًا).

رامي حامد (33 عامًا) يعمل طباخًا في أحد المطابخ الشعبية بغزة، غير متزوج، لكنه يعيل أسرته المكونة من 10 أفراد، بعد وفاة والده بمرض السرطان.

يقول: "لدي التزامات تقضي على راتبي في أول 10 أيام من الشهر، بين كروت الكهرباء، وفواتير الماء، ومياه الشرب التي تُشترى، ومياه الخزانات التي نلجأ لتعبئتها في فصل الصيف نظرًا للانقطاع المتواصل، وأيضاً لدفع فاتورة مولد الحارة الذي يمدنا بالكهرباء البديلة".

ويضيف: "حقيقة لا أعرف كيف نعيش؟ ولماذا نعيش؟! أدنى مقومات الحياة الكريمة غير متوفرة، ولم يعد لدينا أمل في هذه البلاد. هلَكَنا الاحتلال، وهلكتنا السلطة، وهلكتنا حكومة غزة".

يتابع: "أقف لساعات طويلة في العمل أمام فرنٍ بدرجة حرارة عالية جدًا، وأنتظر ساعة العودة إلى المنزل بفارغ الصبر لعلي أرتاح قليلًا، لكن حتى هذه الراحة أحصل عليها بـ "القطّارة"، فهي تسير وفق جدول الكهرباء والماء!". 

يهرب الشاب من التفكير بمستقبله، ويظن أنه لن يجده هنا. يفكر بالهجرة، "هجرة لن تفتح له الباب لحياة وردية، لكنه ربما يوصله إلى مساحات واسعة من الطبيعة، بعيدًا عن الكتل الإسمنتية التي تقبض على أنفاسي هنا في غزة المحاصرة" كما يعبر.

"العيش في القطاع أكد لي أن الناس هنا أقوياء"، كان هذا الحديث عابرًا في إحدى سيارات الأجرة بين امرأتين إحداهما تبدو "زائرة" بعد اغتراب، لكن أخرى أجابتها بغضب: "نحن نضحك على بعضنا بقولك هذا، نحن لسنا أقوياء، نحن لا خيارات أمامنا. نحن نعيش لأن الله لم يكتب لنا الموت بعد".

"عيشة من قلة الموت" هكذا يقولها الناس في غزة. على ما تحمله هذه العبارة من يأسٍ إلا أنها متداولة بين كل المقهورين هنا. هي عبارة تحمل كل معاني التناقض في أكثر بيئةٍ خصبةٍ لانتزاع الأرواح، بيئة ملوثة بسموم الاحتلال، ونيرانه، وباروده، ومواد الفوسفور التي تحللت في أراضي المزارعين، وصنعت غيوم موتٍ في سماء البلاد.

يقولون إنه "قدر غزة"، والقول كثير. بل "ليس على القول جمرك" وفق المثل الشعبي. إنها غزة، مرتع "السخط" على كل الأزمنة التي ضاع فيها الوطن.

كاريكاتـــــير