شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 25 سبتمبر 2022م18:17 بتوقيت القدس

صنعت الحلويات وأسست مصنع خياطة

بقدمٍ واحدة.. قفزةٌ عالية لـ"أسماء" على طريق الحلم

19 يوليو 2022 - 22:41
تصوير: حسن اصليح
تصوير: حسن اصليح

قطاع غزة:

"الحرب تعني أن أفقد أماني. أن أعتزل العالم سنوات طويلة، وأشعر بالوحدة بين مليونَي إنسانٍ وأكثر. الحرب أن أفقد قدمي وشغفي في حياةٍ لا تشبه  إلا "الموت".

ليست رواية، هي حال، وأمرٌ واقع يعيشه كثيرون –لم تنتهِ الحرب في قلوبهم بعد- يسمعون صوتها في كل بابٍ يدفعه الهواء فيُغلق، ويرون دخانها دمًا يغطي سقف الأحلام وينهمر نارًا في "كوابيس" الليل، وغفوات النهار.

"نجونا لكن الحرب لم تنته. نحن هنا محكومون بالموت مع وقف التنفيذ" تقول أسماء أبو طير لـ "نوى". فقدت أسماء قدمها إثر إصابةٍ مباشرة خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2014م، ومنذ ذلك الحين تعيش حربًا خاصةً بها وحدها. حرب التجذّر وإثبات الأحقية بحياةٍ كريمة لها ولكل ذوي الإعاقة من مصابي العدوان في غزة المحاصرة من 16 عامًا ونيف. إليكم التفاصيل:

في ذلك العام المقتطع من أعوام الحياة فوق هذه البقعة من العالم، كانت أسماء التي تبلغ من العمر اليوم (34 عامًا) تقف مع قريباتٍ لها أمام باب منزلها في بلدة عبسان شرقي مدينة خانيونس جنوب القطاع.

تحدّثت السيدات عن أسوأ أيامٍ يعشنها تحت وقع ضربات الموت الإسرائيلية المتحركة عبر الصواريخ والقذائف، وتمنّين مرارًا انتهاء هذا "الكابوس" الذي دام 51 يومًا متتالية، وربما وعدن بعضهن برحلةٍ إلى شاطئ البحر في أول هدنةٍ، لعلها تخفف جزءًا بسيطًا من التوتر والرعب الذي عشنه بسبب العدوان.

الحديث لم يكتمل، أوقفه صاروخٌ إسرائيليٌ استهدفهن بشكلٍ مباشر. لا اللمّة دامت ولا الضحكات، ولا الرحلة بدأت. اثنتان قُتلتا، وأصيبت الباقيات بجراحٍ مختلفة، أما أسماء فاستيقظت لتجد نفسها بقدمٍ واحدة أصابها تمزق في الشرايين والأعصاب، بعد أن دُفنت الثانية قبل ذلك بساعات.

"لا أعرف بماذا أبدأ" تهمس أسماء، وتكمل: "تفاصيل قاسية وقاتلة، بدأتُ رحلة علاج في الأردن لمدة 11 شهرًا، استمرّت ثلاث سنوات أخرى في غزة".

حصارٌ وعدوانٌ إسرائيلي لم يتوقف ولا للحظة واحدة، تراه أسماء في انقطاع بعض أدويتها، وتراه في نومها عندما تحلم بقدميها معًا يأخذانها إلى حيث الأحلام لم تكتمل، وتراه كلما همّت لمساعدة أطفالها الثلاثة الذين أخذوا يسندون أمهم بظروف قاهرة، وتراه في طرف صناعي يقولون "إنه يساعد على النهوض"! "ومع هذا كلّه، من ينتشلنا من الفقر؟" تتساءل.

وتتابع: "محنة الإصابة جعلتني أبحث عن ذاتي، بحثتُ عنها وأنا مكسورة ومجروحة، لكنني وجدتها أخيرًا. لقد فعلتُها وقمت بنفسي وبعائلتي".

البحث عن عمل في القطاع الذي يعاني من الفقر وتفشي البطالة لم يكن سهلًا، لكن الحلويات التي كانت تصنعها، "ويحكي فيها ويتحاكى" كل من تذوّقها، لاحت أمام عينيها كطوق نجاة.

تعقب: "صنعتها بحُب، ووجدتُ إقبالًا مميزًا من أبناء بلدتي، حتى أن الطلبات كانت تصلني تباعًا وأحيانًا لا أستطيع مجاراتها معًا".

لكن كما هي العادة في غزة، لا طريق مستقيمة، والانتكاسات واردة، والمطبات كثيرة، وهذا ما حدث. "أصابتني مشكلة صحية، وحاولت التغلب عليها كثيرًا. مررتُ بأوقاتٍ عصيبة بلغت فيها نقطة الصفر، لكنني قررتُ أن لا أترك نفسي لليأس. قاومتُ وعبرت بسلام" تكمل.

ومن صناعة الحلويات إلى التطريز، قفزة واحدة دفعتها للالتحاق بتدريب "تطريز وصناعة الملابس" الذي استمر تسعة أشهر في مركز "إرادة" لتطوير وتدريب الأشخاص من ذوي الإعاقة في قطاع غزة.

مرحلة تدريب توّجت فيها الجريحة بفوزها بالمرتبة الأولى، ونيل جائزةٍ مكنتها من افتتاح مشروعٍ خاصٍ بها، وهو معمل صناعة وتطريز الملابس، لتصنع ملابس المدارس، والعباءات، والفساتين النسائية.

وأمام كل الصعاب التي واجهتها بسبب إصابتها، إلا أن أكثر ما أعاق عملها، عدم توفر بعض المعدات اللازمة لمشروعها نتيجة الحصار، ومضاعفات الإصابة التي ينتج عنها ألم دائم في القدم السليمة، ذلك بسبب احتراق الأعصاب والأوتار فيها.

كاريكاتـــــير