شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 27 نوفمبر 2022م13:08 بتوقيت القدس

الواقع الاجتماعي بعد 15 عامًا..

اختناق.. أحلام الشباب في حلق "الحصار" الكبير

25 يونيو 2022 - 14:55
تصوير: ياسر قديح
تصوير: ياسر قديح

قطاع غزة:

أحمد وخالد ومحمود، ثلاثة شبان "على طريق الهروب من غزة وظروفها" هكذا وصفوا الأمر لـ "نوى".

يجلسون على كراسٍ مهترئة في صالة "معبر رفح البري" وقد تزينوا كأنهم ذاهبون إلى حفلة! لكن الحقيقة أنهم لم يكونوا يعلمون أين ستحط أقدامهم؟

ترتجف قلوبهم فرحًا لأنهم سيرون ذلك "العالم الموازي" الذي لا يمكن أن يلتقي في نقطةٍ مع قتامة العيش ضمن مساحة 365 كيلومترًا محاصرة منذ خمسة عشر عامًا.

حزم الأمتعة

"إلى تركيا. سوف نذهب إلى تركيا" عبارةٌ لا معطيات حولها، ولم يكن ذلك مهمًا بالنسبة لثلاثتهم، "الأهم أن نخرج من هنا" يقول خالد الذي أجبر أمه على الاستدانة من أجل تدبير مصاريف السفر لعل ابنها يجد مستقبلًا يحتضن أحلامه التي لا تتسع لها غزة!

وللسفر في غزة قصة طويلة بعمر الحصار. قصة جيلٍ كاملٍ لا يعرف معنى للكلمة سوى أنها "الخلاص من جهنم الحصار" نحو الوصول إلى عالمٍ آخر، سماؤه واسعة ومساحاته الخضراء شاسعة، وفيه بحار، وأنهار، وجبال، ومحيطات، وناس لا يشتكون انقطاع الكهرباء ولا المياه، ولا نقص الدواء، أو انقطاع العلاج، وربما لا يعرفون الفقر، ولا الحصار، ولا الانقسام، ولا القصف الإسرائيلي، ولا يفزعون من نومهم صباح مساء، عند مرور الطيران ظنًا أنه سيقصف منازلهم!

هذه رواية الشبان الثلاثة عن السفر، "فهل بعد هذا كله، سيفكّر عاقلٌّ إلى أين سيذهب فور خروجه من هنا؟" يتساءل أحدهم، ليكمل عنه الحديث خالد: "والله للهجرة حسنة، فقد جعلت أمي قوية لتطالب بميراثها من أشقائها حتى توفر لي المال من أجل السفر".

قاطعَتهم في الحديث مسافِرةً أخرى لتخبرهم أنهم لا يعرفون عن "نار الغربة شيئًا" لكنهم بصوتٍ واحدٍ أجابوا: "وهل هذه النار تحرق أكثر من نار غزة المشتعلة منذ 15 عامًا؟"، صمتت وقالت: "الله المستعان يا شباب".

معظم الفلسطينيين الذين نشأوا في غزة في ظل هذا الإغلاق، لم يغادروا القطاع البالغة مساحته حوالي 360 كيلو مترًا منذ ذلك الوقت

وأصدرت "هيومن رايتس ووتش" تقريرًا بعنوان: "غزة.. 15 عامًا على السجن الإسرائيلي في الهواء الطلق"، قالت فيه: "إنه منذ عام 2007م، تمنع السلطات الإسرائيلية، باستثناءات ضيقة، الفلسطينيين من المغادرة عبر معبر بيت حانون "إيرز"، وهو معبر الركاب من غزة إلى "إسرائيل"، الذي يمكنهم من خلاله الوصول إلى الضفة الغربية، والسفر إلى الخارج عبر الأردن. كما تمنع "إسرائيل" السلطات الفلسطينية من تشغيل مطار أو ميناء بحري في غزة. كذلك، تقيّد السلطات الإسرائيلية بشدة دخول البضائع وخروجها".

وغالبًا ما تبرّر "إسرائيل" الإغلاق، بسيطرة حركة "حماس" على مقاليد السياسية بغزة، بعد الأحداث الداخلية التي رفعت يد السلطة الفلسطينية بقيادة "حركة فتح" عنها، في يونيو/حزيران عام 2007م، وتلخيص الذريعة بعبارة "أسباب أمنية".

ومعظم الفلسطينيين الذين نشأوا في غزة في ظل هذا الإغلاق، لم يغادروا القطاع البالغة مساحته حوالي 360 كيلو مترًا منذ ذلك الوقت، وقلة منهم سافرت للدراسة، أو للعلاج، أو للهجرة حتى، وبعد محاولاتٍ عديدة امتد بعضها لسنوات! 

وبحسب "هيومن رايتس ووتش"، فإن السلطات المصرية أبقت المعبر مغلقًا حوالي خمس سنوات، عقب أحداث مصر في يوليو/تموز عام 2013م، وذلك بعد الإطاحة بحكم الرئيس المصري السابق محمد مرسي، الذي اتهمه الجيش بتلقي الدعم من حماس.

لكن القيود خُفّفت تدريجيًا في مايو/أيار 2018م، بعد أحداث "مسيرة العودة الكبرى" على طول الحدود الشرقية لقطاع غزة.

ورغم إبقاء معبر رفح مفتوحًا بشكلٍ أكثر انتظامًا منذ ذلك الوقت، إلا أن نسبة الحركة عبر رفح ليست سوى جزءًا يسيرًا مما كانت عليه قبل أحداث 2013م في مصر. ففي حين كان يعبر 40 ألف شخص شهريًا في كلا الاتجاهين قبل ذلك التاريخ، كان المتوسط الشهري 12,172 في عام 2019م، و15,077 في عام 2021م، بحسب "چيشاه-مسلك".

الموت بـ"قرار"

"رغبتُ في استعجال الموت بعدما أَرهَقَ روحي الأمل" جملةٌ قاسيةٌ تدب الرعب في القلوب، قالها شاب -فكر في الأمر مرارًا- رغم أنه يبلغ من العمر 33 عامًا. "33 عامًا راح منها 15 في انتظار الكهرباء، والمياه، ومنح الدراسة، والعمل" يقول أحمد الذي اكتفى بذكر اسمه الأول.

عدد محاولات الانتحار حتى منتصف عام 2018م وصلت إلى 373 حالة، منها 15 حالة وفاة.

ويعقب: "ضاعت بوقودٍ مشتعل من أرواحنا نحن الشباب"، مضيفًا: "شابٌ حاول الانتحار، قصة ليست غريبة. ربما هي مرعبة ومؤلمة، لكنها حقيقة، وواقع، فحياتنا هنا ككابوس نتمنى أن نصحو منه بسرعة".

في التفاصيل، كان الشاب متفوقًا في دراسته، إذ تخرج من الثانوية العامة عام الانقسام الفلسطيني وفرض الحصار، يوم كانت أمه تركض به لقاعات الامتحانات تحت زخات رصاص المسلحين الذي أصاب شقيقه لاحقًا؛ لكنه استمر بامتحاناته وحصل على معدلٍ متدنٍ بسبب الظروف.

يتابع أحمد: "حياتي الجامعية لم تكن أفضل، ففي فترة الامتحانات النهائية شنت أكثر من 60طائرة إسرائيلية أعنف هجوم شهده قطاع غزة عام 2008م".

ويزيد: "لحظة الهجوم كنتُ في الجامعة، لا أعرف كيف هربت! ولم أدرك بأي اتجاه سرت، شاهدتُ أشلاءً تتطاير، شاهدتُ جثثًا وُضعت في سياراتٍ عامة. سماءُ غزة أصبحت سوداء بفعل الدخان والقصف، كأنه يوم القيامة".

ذكرياتٌ يهرب منها الشاب، تتبعها أخرى أكثر دموية، ولا حل يلوح في الأفق. "يبدو أنه كتب على الفلسطينيين من غزة أن يحيوا هكذا" يكمل، فقد مرّ عام 2008م، وما بعده، وها نحن ذا في عام 2022م، حيث أربع عدواناتٍ إسرائيلية أرهقت أرواح الناجين في كل مرة. 

منذ العام 2012م، يبحث أحمد عن فرصة عمل، لكنه لم ير نفسه سوى "سوّاق فرشة"، ينام يمينًا ويسارًا باحتراف، ويُجبر عينيه على النوم لمدة يومٍ كامل أحيانًا. "فربما هذه طريقة للهرب من هذه الحياة القاسية!" يحدثنا.

"لكن هل أنتظر كل هذا؟ لماذا لا أبادر في استعجال الموت؟" لقد سأل أحمد نفسه هذا السؤال مئات المرات، حتى فكّر وقرر. قام ونصبَ مشنقته بيده، وعلقها في مروحة، لكنه لم يمُت. صرخَ بصوتٍ لم يسمعه إلا أمه فلحقته في آخر نفَس وهي تصرخ بحرقة بينما دموعها تسبقها: "يلعن الاحتلال، ويلعن الانقسام، ويلعن كل مين إله إيد في اللي بتعمله بحالك، يمّه وين أروح بعدك يمّه؟! مش بكفي اللي صار لأخوك في أحداث الانقسام؟"، فلأحمد أخٌ يعاني تبعات إصابةٍ في قدمه استهدفته عام 2007م.

"يوم أسود، وحياة سوداء، نور منقطع، ونارٌ تحرقنا في كل آن. وإلى الآن، لم يتغير شيء سوى أنني عملت ناطور بناية في فترة الليل! نعم، هذا ما تفوقت به منذ 33 عاماً!" 

ووفقاً لمصادر في حكومة غزة، فإن عدد محاولات الانتحار حتى منتصف عام 2018م وصلت إلى 373 حالة، منها 15 حالة وفاة.

وشكلت محاولات الانتحار حينها في صفوف الإناث حوالي 53 في المئة، بواقع 199 حالة، و46.6 في المئة للذكور (174 حالة).

 ومعظم محاولات الانتحار كانت من قبل فئة الشباب، لا سيما من هم دون الـ30 سنة، بما نسبته 87 في المئة من محاولات الانتحار، وفي عام 2017م، وصل عدد حالات الانتحار إلى 37 حالة أفضت إلى الموت، في حين سجّلت 759 محاولة للموت "وبهذا كان عام 2017م، الأسوأ فيما يتعلق بقضية الانتحار خلال السنوات الماضية".

ووفق مصدر في الشرطة الفلسطينية لـ "نوى"، فإنه منذ عام 2019م، وحتى الشهر الجاري من 2022م، بلغ عدد حالات الانتحار التي أفضت إلى الموت 21 حالة.

ويفسر الحقوقي مصطفى إبراهيم تراجع عدد حالات الانتحار خلال العامين الماضيين بمرور جائحة كورونا، وعدم توفر عامل الانفراد بالذات بسبب الحجر المنزلي الطويل.

وتابع: "خلال فترة الجائحة ربما غاب الارتباك، فكل أفراد المنزل التفوا حول بعضهم. هناك هم مراقَبين على مدار الساعة، وفكرة الخوف من الموت بسبب كورونا كانت مسيطرة على كل الناس". 

منذ عام 2019م، وحتى الشهر الجاري من 2022م، بلغ عدد حالات الانتحار التي أفضت إلى الموت 21 حالة.

ويرى إبراهيم أيضًا أن تسليط الضوء مجتمعيًا على قضية الانتحار، مع تكثيف المتابعة من الشرطة والأهالي والنيابة، كان سببًا آخر لتراجعها برغم وجود المسببات، التي تأتي نتيجة الضغط والأمراض النفسية التي أفرزها الاحتلال، بحصاره، وحروبه على القطاع.

ونشرت وزارة الصحة في غزة تقارير إحصائية، تشير إلى أن الإصابة بالأمراض النفسية ارتفعت عام 2020، بنسبة 62% مقارنة بالعام الذي سبقه، حيث كان للاكتئاب النصيب الأكبر من الانتشار، تلته الاضطرابات النفسية، ثم مرض الفصام العقلي.

ويقول تقرير الوزارة بغزة "إن أكثر من 90 ألف زيارة ومراجعة لمستشفى الطب النفسي، والعيادات النفسية، سُجلت خلال العام المنصرم على مستوى محافظات قطاع غزة، بينما كانت الفئة العمرية من 30 إلى 39 عامًا الأكثر عرضة للاضطرابات النفسية بنسبة 35%، تلتها الفئة العمرية بين 20 و29 عامًا.

 

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير