شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 12 اعسطس 2022م11:54 بتوقيت القدس

أطفال غزة.. "أحلامٌ" طُحنت في سوق العمل

13 يونيو 2022 - 18:54

شبكة نوى، فلسطينيات: على صوت والده الغليظ اعتاد أيمن (14 ربيعًا) أن يصحو، لينطلق إلى وجهة مختلفة تمامًا عن تلك التي التي كان بها يحلم. يرتدي ملابسه مسرعًا دون أن يهتم بهيئته، "فالشكل ليس ذا قيمة في سوق العمل" يقول.

منذ أن تسرب الفتى من المدرسة، واضطر للعمل في أحد معامل الخياطة بمخيم النصيرات وسط قطاع غزة، انقلبت حياته رأسًا على عقب -وفق والدته- التي تشير إلى أنه ترك الدراسة في الصف السادس، لأن والده كان يرى أن لا فائدة ترجى من تعليمه، وأن بضعة شواكل يعود بها آخر النهار من صنعة يتعلمها أفضل مئة مرة من ما سينفقه على التعليم حتى يتخرج من الجامعة!

لأيمن أربعة أخوة جميعهم أصغر منه، وأكثر ما تخشاه أمه أن يغدو مصيرهم كما شقيقهم الأكبر. تقول: "أنظر إليه وأراه قد شاخ قبل الأوان، وتناثرت كل أحلامه كطفل على رصيف الواقع المرير في غزة".

في شباط/ فبراير الماضي، فُجع قطاع غزة بوفاة الطفل أسامة السرسك، وعمره كعمر أيمن، بينما كان ينبش في (مكب النفايات) شرق غزة، بعد انهيار كتلة كبيرة من القمامة -بالخطأ- فوق رأسه بفعل إحدى الجرافات التي تعمل لصالح البلدية. مات وهو يحاول أن يجمع ما يمكن أن يؤمن لعائلته غداء يوم الجمعة وفق ما قالت أمه لوسائل إعلام.

وكان الطفل أسامة اعتاد مرافقة والده إلى مكب النفايات شرق غزة، وجمع كل ما يمكنهم بيعه أو الاستفادة منه. تضيف والدته: "مات طفلي بينما كان يبحث عن الحياة، بعد انقطاع راتب الشؤون الاجتماعية، وهو الأمر الذي فاقم من معاناتنا. كان أسامة وشقيقه يساعدان والدهما، وكانا يجمعان الخبز اليابس ويبيعانه".

تصمت قليلًا وتبكي قبل أن تُكمل: "عاش حياةً بائسة، ومات مدفونًا في مكب نفايات".

وتشير الأرقام الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني" في شباط/ فبراير لعام 2022م (النتائج الاساسية لمسح القوى العاملة، للعام 2021)؛ إلى أن "3% هي نسبة الأطفال العاملين في الفئة العمرية (10-17) سنة خلال 2021م؛ وذلك بواقع 4% في الضفة الغربية؛ و1% في قطاع غزة".

ويعمل غالبية الأطفال في قطاع غزة في مهن لا تليق بطفولتهم، وتعتمد في أغلب الأحيان على البقاء في الشوارع لساعات طويلة. منهم من يتسول بغطاء العمل، فينتشرون في الأسواق، وعلى مقترقات الطرقات، يبيعون قطع البسكويت الرديئة، أو زجاجات الماء في ظروف غير إنسانية، ولا تراعي بنية الطفل الجسدية، وتنتهك حقه في الاستمتاع بوقته وفق ما نص عليه قانون الطفل الفلسطيني.

وتحظر المادة 14 من قانون الطفل الفلسطيني، والمادة 93 من قانون العمل الفلسطيني، تشغيل الأطفال دون سن الخامسة عشرة؛ ويسمح بعمل الأطفال في الفئة العمرية بين 15 و17 سنة بشروط معينة، منها: أن لا تكون هذه الأعمال خطرة، وأن تكون ساعات العمل قصيرة، وتوفير الكشف الطبي للأطفال كل 6 أشهر.

وقد تم تعديل قانون الطفل الفلسطيني، وإدراج عمل الطفل لدى الأقارب من الدرجة الأولى ضمن عمالة الأطفال.

كما يحظر تشغيل الأطفال، أو استخدامهم، أو تكليفهم بأي أعمال أو مهن خطرة، أو غيرها من الأعمال والمهن التي تحددها وزارة العمل، ومن شأنها إعاقة تعليمهم، أو إلحاق الضرر بسلامتهم، أو بصحتهم البدنية أو النفسية؛ بما في ذلك العمل لدى الأقارب من الدرجة الأولى.

وتنص المادة (37) من قانون الطفل، على أن لكل طفل الحق في التعليم حتى المرحلة الثانوية (18 سنة)؛ وأنه على الحكومة أن تتخذ التدابير اللازمة لمنع تسرب الأطفال من المدارس.

د.فضل المزيني الباحث في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، ربط بدوره بين تنامي ظاهرة عمالة الأطفال، ومجمل الأوضاع الخاصة التي يعانيها قطاع غزة من حصار إسرائيليٍ مستمر منذ 15 عامًا، وانقسام فلسطيني داخلي، التي انعكست بشكل سلبي على واقع الأطفال، "وذلك بسبب ازدياد نسبة البطالة، وارتفاع معدل الفقر إلى مستويات غير مسبوقة، الأمر الذي جعل الكثير من أرباب الأسر غير قادرين على تلبية الحاجات الأساسية لأسرهم، ما انعكس على رغبة الأطفال في ترك المدرسة، والاتجاه لسوق العمل في ظروف لا تناسب مستوى أعمارهم" يقول.

ولفت المزيني إلى أن الوضع الحالي لا يبشر بخير في ظل الغلاء وتزايد حدة الفقر في قطاع غزة، موضحًا أن الأطفال يعملون في ظروفٍ لا تتناسب مع قدراتهم الجسدية والعقلية، بالإضافة إلى انتهاك حقوقهم كعاملين، إذا سلمنا بانخراطهم في سوق العمل.

وقال: "يحظر عمل الأطفال، لكن أرباب العمل ينتهكون حقوقهم كـعمال، ويشغلونهم بأجور متدنية جدًا لساعات طويلة وفي ظروف غير إنسانية بالمطلق".

وشدد المزيني على ضرورة متابعة أوضاع الأطفال العاملين، ممن سمح القانون بتشغيلهم فوق 14 سنة، لضمان عملهم في أماكن تتناسب مع عمرهم ومهن تتناسب مع طفولتهم وقدراتهم الجسدية في ظروف محددة، وأوقات محددة، ومراعاة قوتهم البدنية والعقلية، وملائمتها للعمل الذي يقومون به، وتوفير وسائل السلامة والحماية براتب مناسب، وظروف عمل تتلاءم وقدراتهم الجسدية، ومنحهم إجازات أسبوعية وسنوية بأجر.

ولفت المزيني إلى أن توقف رواتب الشؤون الاجتماعية، انعكس على تسرب مزيد من الأطفال إلى سوق العمل، وفاقم من المشكلة.

ويرى المزيني أن مكافحة عمالة الأطفال، والحد من انتشارها، مرتبطة بأوضاعٍ سياسية، فهي تتطلب إجبار دولة الاحتلال على رفع الحصار، والسماح بتدفق البضائع من وإلى غزة، ما يخفف من نسبة البطالة ويحد من عمالة الأطفال، منبهًا إلى أن وزارة التنمية الاجتماعية عليها أن تقوم بواجباتها تجاه الأسر الفقيرة، تحديدًا الذي يوجد بين أفرادها أطفال، لما من شأنه أن يحد من انخراط الأطفال في سوق العمل.

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير