شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 01 اكتوبر 2022م18:19 بتوقيت القدس

سعيد أبو غزة..

"أنا والمحقّق والزنزانة".. مذكّرات كاتبٍ شُبِحَ في "عسقلان"

09 مارس 2022 - 11:34

شبكة نوى، فلسطينيات: نادرًا ما يمكن أن نتعثّر بروايةٍ تجمعُ بين الفن والأدب، وتحمل في في طياتها الكثير من التفاصيل "حبيسة الذاكرة"، تلك التي لا يمحوها الوقت، ولا تمسحها التجارب الأخرى.

"أنا والمحقق والزنزانة" نموذج لروايةٍ تشبه ذلك المزيج؛ فأحداثها بالكامل عبارة عن تجربة شخصية لكاتبها سعيد أبو غزة، الذي اعتُقل لمرتين. الأولى بينما كان طالبًا يدرس في رام الله، والثانية بعدها بـ 24 سنة، بينما كان يجتاز حاجز بيت حانون باتجاه القدس عام 2014م، بعد استصدار تصريحٍ له من قِبَل المؤسسة الأممية التي كان يعمل بها.

في بداية الرواية استذكر أبو غزة تفاصيل تجربته الأولى، قبل أن ينطلق في وصف حاجز بيت حانون "إيريز" بكل ما يحمله من تقنيات وتكنولوجيا أمنية، ليتعمق بعدها في وصف أقبية التحقيق في ذات المكان قبل أن يُنقل إلى سجن عسقلان.

يقول أبو غزة الذي يعد هذا الكتاب، إصداره السابع: "منذ اللحظة الأولى لاعتقالي قررت تجسيد التجربة ونقلها في كتاب ذات يوم. بدأتُ تسجيل الأحداث وكل ما تقع عليه عيني في عقلي، حتى طرق التحقيق، وأشكال التعذيب، والانتهاكات التي يتعرض لها الأسرى في سجون الاحتلال، كلها كانت أساس هذا الكتاب الذي حاولت تطويع لغته لنقل تجربة واقعية".

أراد الكاتب أن يوجّه رسالةً توعوية للأجيال الجديدة التي لم تعاصر الاحتلال في قطاع غزة، وفي ذات الوقت رسالة للأمة العربية والإسلامية توثق الانتهاكات الإسرائيلية والإجراءات التعسفية بحق الأسرى.

وصف أبو غزة المحققين بقوله "كانوا أقزامًا، قصار قامة، وكذلك صغارًا بالنسبة لنا كأصحاب قضية"، مستذكرًا لحظة دخوله لغرفة التوقيف وقذارتها. يضيف: "كنتُ معصوب العينين لكنني كنت ألمح من طرف العين، لم أكن أعرف أنه سجن عسقلان لكنني عرفت ذلك فيما بعد".

سجل أبو غزة بدلالات أدبية كل اللحظات التي كان أسيرًا فيها، ووثّقَ كافة مراحل الاعتقال بدءًا من التحقيق الأولي، ودخول الزنزانة، والعصافير (المتعاونين مع الاحتلال) الذين كانوا ينتظرون الأسير خلف القضبان لسحب المعلومات منه، وجمع الأدلة التي تدينه.

يزيد: "بعد أن دخلت زنزانتي استقبلني أحد العصافير الذي عرف نفسه بأنه أسير منذ عشر سنوات، وأنه معاقب وهذا سبب وجوده في ذات الزنزانة".

في كل صفحاته، سرد الكتاب تجربة الاعتقال كمن يحذر من العصافير الذين يمكن أن يكونوا على هيئة شبان مساكين، أو شيوخ ذوي أصوات شجية في قراءة القرآن أحيانًا، حتى أنهم يمكن أن يتنكروا في هيئة محققي التنظيمات الفلسطينية الذين يحققون مع الأسرى في السجون. "لكنهم في النهاية ليسوا سوى عصافير للاحتلال".

وصف أبو غزة بدقة متناهية جولات التحقيق المتواصلة التي استمرت لأيام، وما تخللها من استبدال للمحققين بين حين وآخر، قبل أن يصدر بحقه حكم أولي. ولم يتجاوز الكاتب في مذكراته الروائية تجربة جهاز كشف الكذب الذي استخدمه المحققون معه، ومع الكثير من الأسرى في سجون الاحتلال للحصول على اعترافات يمكن أن تدينهم أو تدين غيرهم، لكن الكاتب تمكن من الانتصار على الجهاز، قبل أن يتم الإفراج عنه لأسبابٍ سياسية، بعد تدخل المؤسسة الأممية التي كان يعمل بها.

يستحضر الكاتب في راويته ذكريات حفظتها ذاكرته منذ الطفولة، والمتعلقة بعملية باص عسقلان التي نفّذها أربعة من رجال المقاومة، الذين تمكنوا من اختطاف باص والاتجاه به نحو غزة، مطالبين بالإفراج عن 500 أسير في سجون الاحتلال، قبل أن تتم ملاحقتهم وسط القطاع، وتحديدًا في مدينة دير البلح.

ويصف المعاناة التي يتعرض لها سكان قطاع غزة أثناء محاولاتهم الانتقال للضفة الغربية من أجل العلاج، من خلال سرد المشاهد التي مر بها شخصيًا: أثناء انتظاره العبور -على سبيل المثال- يجدُ امرأةً فلسطينية جاءت لتعالج ابنها المصاب بالسرطان في مستشفيات الداخل المحتل، "كانوا يعاملونها بصورةٍ قذرة لا تتناسب والأعراف الإنسانية! ذاكرًا على سبيل التوعية، أن "إيرز" على الجانب الإسرائيلي، يعدُّ النقطة الأهم لتجنيد العملاء الفلسطينيين من خلال رجال المخابرات الإسرائيلية المنتشرة في أرجاء المعبر، "إذ يستغل الجنود فيه حاجة سكان قطاع غزة للعلاج".

غلاف الرواية الذي رسمه الفنان باسل المقّوسي، كان عبارة عن مشهد معتقل فلسطيني مكبل بالقيود، ومعصوب العينين، مشبوحًا بوضعية الجنين. هذه الصورة عكست تجربة الكاتب الشخصية، تلك التي مر بها كل من تعرض لتجربة الأسر في سجون الاحتلال.

يعقب أبو غزة: "اخترتها لأعكس بشاعة الاحتلال، في هذه الوضعية يكون المعتقل في أسوأ حالاته النفسية والجسدية، أردت أن يمثل الغلاف جرس إنذار لانتهاكات حقوق الإنسان داخل سجون دولة الاحتلال".

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير