شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 24 سبتمبر 2022م22:16 بتوقيت القدس

في يومها العالمي..

الإذاعة.. صوت "الحياة" في فلسطين المحتلة

13 فبراير 2022 - 14:42

قطاع غزة | نوى:

"كما الأم وطفلتها" تصفُ المذيعة لينا الطويل علاقتها بالإذاعة بعد 9 سنواتٍ من العمل فيها. "فجمهورها وفيٌّ رغمًا عن أنف التطور" تقول لـ "نوى".

ورغم التغيرات الجمة التي طرأت على حياتها الشخصية والعملية خلال ما يقارب عقدًا من العمل داخل الاستديو، "إلا أن هذا المكان بكل تفاصيله يشبه بيتي.. هذه حقيقة، فهنا أقضي نهاري، وأشعر بدفء العائلة وأمان اللمّة، وضرورة الحضور" تضيف، مستدركةً: "في الفرح تجدينني على الهواء، وفي الحزن كذلك.. لا مجال لإخلاف موعد".

حديث لينا جاء بمناسبة اليوم العالمي للإذاعة، الذي أعلنته الدول الأعضاء في منظمة التربية والعلم والثقافة "اليونسكو" عام 2011م، يوم 13 فبراير/شباط من كل عام، واعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2012م، لتنتقل بعد وقتٍ للحديث عن واقعٍ مؤلم، عنوانه: أوضاع الإذاعات والمذيعين في فلسطين.

تشير الشابة إلى أن الحصار المفروض على قطاع غزة منذ ١٦ عامًا –على سبيل المثال لا الحصر– يعيق دخول الأجهزة الخاصة بالبث الإذاعي، هذا في وقتٍ يقصف فيه الاحتلال ويدمر مكاتب الإذاعات خلال اعتداءاته المتكررة على قطاع غزة، معقبةً: "وما يضاعف التحدي منع المذيعين والمذيعات من السفر للحصول على تدريبات، أو الالتقاء بالعالم الخارجي، لكن البيئة الخصبة بالأحداث الميدانية، جعلتنا نتجاوز عن ذلك بخبرات حقيقية وعملية".

وكان قصف إذاعة صوت الأسرى التي تعمل فيها لينا في عدوان مايو/آيار الماضي، من أصعب ما مرّ عليها خلال سنوات حياتها. تصف المشهد بقولها: "في تلك اللحظات، كانت قلوبنا تهوي مع كل حجرٍ يتساقط، فهنا برج الجلاء الذي شهد البدايات ولحظات التغطيات المختلفة، هذا مقر إذاعتنا، مكانٌ اجتمعنا فيه على مائدةٍ واحدة، هنا عملنا كخلية نحل، وهنا مكتبي الذي كان بيتي، ذكرياتنا أصبحت رمادًا وهذا موجع جدًا".

وأمام هذه القتامة، لا يمكن للينا أن تنسى أحلى المواقف التي حدثت لها هناك، تلك التي أشعرتها أن ثمة إنجازًا يحدث، ويصل. تقول: "كان شعورًا لا يُضاهى، ذلك الذي أصاب قلبي عندما وردني اتصالٌ من أحد الأسرى يشكرني فيه على جهودي وجهود الإذاعة، من أجل إبراز قضيتهم، وإيصال رسائلهم، والحديث عنهم وعن عائلاتهم".

في مكانٍ آخر داخل قلب هذه البقعة المتعالية على الوجع، تتذكر المذيعة أمل بريكة بصوتها الدافئ يوم الإذاعة العالمي بصوتٍ تخنقه الغصة: "كُتم صوت الحقيقة، وقُتِل زميلنا يوسف أبو حسين، في بلد لا يخاف محتله من استهداف الناس، أو المذيعين المحميين بموجب القوانين الدولية".

تضيف أمل: "إن التشويش الذي يمارسه الاحتلال على الإذاعات، والاستهداف المستمر، ومنع دخول المعدات، واقتحام مكاتب الإذاعة بالضفة الغربية، وعدم السماح لبعض الزملاء بالوصول إلى مقرات عملهم، كلها محاولات لإخراس صوت فلسطين، وطمس العمل الإذاعي"، مردفةً: "وهذا في وقتٍ يتمسك به الفلسطينيون بهذه الوسيلة، التي لا نتوقع اندثارها مهما تطوّر الإعلام الرقمي".

تعمل الشابة في الإذاعة منذ سبع سنوات، على الهواء مباشرةً، وبدون تسجيل، بعد تدريبٍ عمليٍ خاضته، لكسر هيبة الميكروفون، وبالفعل تمكّنَت من ذلك، وفعلَتها بكل حبٍ وقوّة، على حد تعبيرها.

ومن أهم معيقات العمل الإذاعي (والحديث لـ بريكة)، "قلة توفر الدعم اللازم، فأغلب الإذاعات هي ملك لأحزاب، وتيارات سياسية تدعمها"، مشيرةً إلى أن الإذاعات المستقلة مهددة بالتوقف، بسبب عدم القدرة على دفع التكاليف، "ناهيكم عن الرواتب المتدنية للموظفين، وأحيانًا عدم القدرة على دفعها، وعمليات الفصل التعسفي التي تلحق بهم جراء ذلك".

تتذكر أمل كيف استعانت بصديقةٍ لها في أولى حلقاتها لتساعدها بالأسئلة حال تعثّرت، في حين أخرج مهندس الصوت الحلقة الثانية بقوله لها: "اعتمدي على نفسك.. هذا الميكروفون ملكك اليوم، وحدك". تزيد: "يا الله ما أصعب استضافة أصحاب الحاجة، وما أكثر الوجع الذي يمكن أن يصيب قلب المذيع لدى حديثه عن تفاصيل قصص الشهداء مع ذويهم، وعن عمالة الأطفال، وعن الحرب، وعن القصف، وعن العدوان، كلها حلقات مررت بمواقف مؤلمة وقاسية خلالها، ما زالت تنخر ذاكرتي".

خلال فترات الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، يحتشد الناس حول الراديو، يتحلّقون صامتين كأن على رؤوسهم طيرًا، ويستمعون إلى أصوات المذيعين والمذيعات التي تلمس قلوبهم لتؤنس وحشتها تحت أزيز طائرات المحتل. ينتبهون جيدًا إلى نبرات الصوت حين تعلو في الأخبار العاجلة، وحين تختنق لدى الإعلان عن ارتقاء شهيد "فالمذيع وجمهوره شقيقا الواقع" يصف المذيع تامر دلول.

يكمل دلول: "انقطاع الكهرباء في قطاع غزة، لفتراتٍ طويلة، بات يسهم في الاعتماد على الراديو. وفي الوضع الطبيعي فإن ظروف غزة تدفع سكانها للاستماع إلى الأخبار معظم الأوقات، في الأسواق، وفي الشوارع، والمقاهي، والمنازل".

يعمل تامر صحفيًا منذ ثماني سنوات، بينما يبلغ عمره في العمل الإذاعي عامًا واحدًا، "ورغم ذلك، فقد شكلت هذه الفترة على قصرها نقطةً فاصلةً في حياتي الإذاعية، إذ وصلتُ منزل عائلة "أبو حطب"، وشهدتُ مجزرة عائلة "الحديدي" في مخيم الشاطئ بعد قصفه من قبل الاحتلال في عدوان مايو الماضي.

تحدث تامر كثيرًا عن خبرةٍ عالية تتيحها الإذاعة في نقل الأحداث على الهواء مباشرة، ناهيكم عن الخبرة الإنسانية العميقة التي امتسبها جرّاء تعامله مع القصص الإنسانية. "وهنا لا أنسى كيف دوّى صوت أحد الآباء في أذني وأذن الجمهور بعد قصف، عندما صرَخ: أولادي.. أولادي".

ليست هذه المجزرة فحسب، بل عائلة "اشكنتنا" التي دُفنَت تحت ركام منزلها وراح ضحيتها الأم وخمسة أطفال، أيضاً شهد عليها بمشاركة جمهور إذاعته "صوت الشباب"، وكانت بما حملته من وجعٍ وقهر، من التجارب التي لا تُنسى.

"الإذاعة تستحوذ على الأولوية في المتابعة أوقات العدوان الإسرائيلي"، يقول دلول، فالمذيعون يعرفون أماكن الاستهداف بشكل سريع، ويستمعون لتوجيهات الجهات المسؤولة، "والأعظم من هذا كله، أنهم كما الشعب يلتفون من أجل حماية المقاومة" وربما لهذا يحاربها الاحتلال.

كاريكاتـــــير