شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 10 اعسطس 2022م10:55 بتوقيت القدس

يقول أحدهم: لا وقت للعلاج النفسي..

أيام الحرب.. ندبةٌ لا تُشفى في ذاكرة الصحفيين

30 نوفمبر 2021 - 09:19

قطاع غزة | نوى:

لا يستطيع الصحفي محمد أبو دون، حتى هذه اللحظة، أن يطرد من ذاكرته مشهد زخّات الفوسفور الأبيض، الذي انهمر فوق رؤوس النازحين في إحدى مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "أنروا"، خلال عدوان عام 2008م.

"ولا يمكنني أن أنسى الناس وهم يهربون طلبًا للنجدة، الأطفال يركضون كأنما يلاحقهم غول، والنساء يبكين وينادين أبناءهن لعلَّ صوتًا من بعيدٍ يجيب" يقول لـ"نوى".

ذلك العام بمشاهده المرعبة، لم يكن ببعيدٍ –في طيات الذاكرة- عن عدوان آيار/ مايو الماضي. ذاك الذي سلب طمأنينة القلوب، وجعل من غزة شبرًا شبرًا هدفًا لحقد ونيران المحتل.

"في العدوان الأخير، لا يمكنني أن أنسى مشاهد قصف عائلاتٍ بأكملها، تلك الصدمة على وجوه الناجين، الكثير من الدموع التي انهمرت فوق أكفان الشهداء، وهمسات أمهاتهم.. والدخان الأسود الذي غطّى على كل ما هو جميلٌ هنا" يتابع محمد الذي يجزم بحاجته إلى مساندة نفسية عاجلة بعد كل ما عايشه من قصص الضحايا، كإنسانٍ من غزة، وكصحفيٍ فيها على وجه الخصوص.

يضيف: "الجميع هنا بلا استثناء بحاجةٍ كبيرة للدعم النفسي، والاستشارات، لفترات مستمرة، مشيرًا إلى أنه لم يطلب الدعم النفسي بشكلٍ شخصي، لكنه شارك في بعض الأنشطة ذات العلاقة.

"اكتشفتُ أن يومًا أو يومين للتفريغ النفسي لا تكفي لتطبيب تلك الأهوال. لقد رأينا الموت بأم أعيننا، وكدنا نلاقيه لولا لطف الله" يعقّب، مردفًا: "كصحفيين، نضغط على أنفسنا كي نتجاوزها".

البديهي أن كل الفلسطينيين يقعون فريسةً واحدةً للاحتلال، على اختلاف مسمياتهم، فالعمل بالصحافة مع اتخاذ كل الإجراءات لم يمنع الاحتلال من استهدافهم لا في الضفة الغربية، ولا قطاع غزة، ولا القدس المحتلة، أو الأراضي المحتلة عام 1984م.

لكن خصوصية القطاع المحاصر منذ ١٥ عامًا متواصلة، تمنع أبناءه وبناته من التقاط أنفاسهم بعيدًا عن الهواء الملوّث بالنار والبارود.

السفر هنا على سبيل المثال لا يعد رفاهية أو حاجة متوفرة. بل إنه استثناء لمن كان حظه جيدًا، بين آلاف الحالات المسجلة، أو من استطاع تدبير مبلغ مالي يدفعه "للتنسيق" لقاء خروجه من بوابة المعبر. 

ويصف المصور الصحفي محمد قنديل  بدوره، الوضع النفسي للصحافيين والصحافيات في قطاع غزة، الذي يعدُّ مساحةً رحبة للأحداث الميدانية القاسية بفعل الاحتلال الإسرائيلي، بقوله: "وضع صعب وصدمات متتالية".

ويضيف: "لا يمكن للصحفيين تجاوز الصدمات التي يتعرضون لها خلال تغطيتهم لأحداث العدوان الإسرائيلي تحديداً"، مستدركًا: "في نفس الوقت، لا نستطيع طلب استشارات نفسية لانشغالنا الدائم بضغوط العمل".

نضال الوحيدي صحفي آخر، يروي تأثره بالعدوان قائلًا: "لا تنتهي الحرب عند إعلان وقف إطلاق النار، فهناك حربٌ أخرى تبدأ في قلوبنا، وتعكس بؤس الواقع فيها على ملامحنا ووجوهنا الشاحبة".

أصواتُ الأطفال وصرخاتهم لا تنسى، ودماؤهم السائلة، صور الشهداء ولحظات الفقد الأولى، تلك الأم الثكلى، وذلك الزوج الذي رثى زوجته بدمعه.. "راح الولد، وراحت البنت، راحت ماما، وبدّي بابا" كلها تلاحق نضال في نومه ويقظته، حتى في لحظات تأمله سقف غرفته "المكان الذي يطبطب على قلبه بعيدًا عن ذكريات كل عدوان".

وعن محاولات التعافي، لم يمر نضال سوى بجلسات بسيطة "للتفريغ النفسي"، استفاد منها مع عشرات الصحافيين والصحافيات، تمامًا كالتي شارك فيها زميله أبو دون.

يجمع الصحفيون والصحافيات، على أن الدعم النفسي، بات احتياجًا تمامًا كما الأكل، والمياه، والدواء، فغول العدوان حاضر في كلّ آن. يرونه يمشي في منازلهم، وشوارع مدينتهم، وعلى شاطئ البحر، وكل الزوايا والأماكن.

كاريكاتـــــير