شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 04 ديسمبر 2021م02:47 بتوقيت القدس

الحصار وكورونا أنهكا جيب مزارعيه..

عجوة ودبس.. عوض غزة في موسمِ البلح الحزين

21 اكتوبر 2021 - 11:42

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

تعتمد بعض النساء محدودات الدخل، اللاتي يملكن أشجار نخيل في بيوتهن، على ما تنتجه من ثمار، فيحولنه إلى صناعاتٍ غذائية بسيطة، يستفدن من مردوده المادي في توفير احتياجاتهن.

السيدة الستينية غزال الأسطل واحدةٌ منهن، فقد استثمرت هوايتها في صنع العجوة، ومربى البلح، والدبس "عسل البلح" في تأمين احتياجات بناتها الثلاث، التي تعيلهنّ وحدها منذ توفي زوجها.

تقول بينما يداها منشغلتان بجمع حبات الرطب التي سقطت من قنوٍ معلق: "العجوة مصدر رزقٍ جيد، خاصةً إذا كانت متقنة النظافة لا يشوبها حبة رمل أو أي ملوثٍ آخر".

ومع نهاية شهر أيلول/ سبتمبر تبدأ السيدة غزال بالاتفاق مع أحد العاملين، بقص قطوف البلح الخاصة بها، ومن ثمّ تبدأ بعملية التصنيع. تقول: "أنتج بالكمية الأكبر العجوة، أما الدبس والمربى، فتكلفة صناعتهما عالية، والطلب عليهما قليل".

تجد غزال (التي تُكنى بـأم إيهاب) في موسم البلح فرصةً لا تُعوّض تستطيع من خلالها توفير بعض المال لتسديد الرسوم الجامعية لبناتها، بالإضافة إلى توفير بعض الاحتياجات اليومية.

تضيف: "أستثمر الموسم حاليًا في الانضمام إلى تعاونيات تدعم عمل النساء، فأصنع العجوة هناك وأنتج ضعف الكمية التي أنتجها في المنزل، وآخذ عن كل كرتونة مبلغا يساعدني في تلبية احتياجاتي"

ويُعدُّ موسم البلح الذي يمتد لـ 40 يومًا من نهاية أيلول/ سبتمبر، حتى منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر، واحدًا من أهم المواسم التي يستبشر بها المزارع الفلسطيني لتوفير احتياجات العام، التي يؤجلها لحين انتهاء الموسم وتحقيق الربح.

وبحسب وزارة الزراعة، فإن الموسم يواجه في كل عام تحديًا يؤثر سلبًا على الإنتاج، ويكبّد المزارعين خسائر طائلة مقارنةً مع ارتفاع تكاليف الإنتاج.

وتبعًا لخبراء في الزراعة، فإن الصناعات التي تقوم على البلح ساهمت بشكلٍ كبير في إنقاذ المزارعين من الخسائر التي تكبدوها خلال المواسم السابقة، في ظل انتشار جائحة "كورونا"، واستمرار الحصار المفروض على القطاع منذ عام 2007م، الذي حُرم المزارعين على إثره من تصدير إنتاج نخيلهم إلى الضفة إلا في حدودٍ ضيقة، وفقًا لحالة السماح الإسرائيلي بين الفينة والأخرى.

"نوى" في التقرير التالي ترصد السبيل الأكثر نجاعًة والذي تحول إليه الكثيرون من مزارعي البلح والمواطنين، خاصةً النساء، للتغلب على الآثار السلبية التي تواجه موسم البلح، وتتحدث مع خبراء عن كيفية إنقاذ مصانع العجوة لمزارعي البلح من الخسارة.

بلح "حيّاني"

وتشهد مدن قطاع غزة مع بداية شهر تشرين أول/ أكتوبر من كل عام، بهجة قطف ثمار البلح بعد عامٍ من الرعاية والعناية، والأمر هنا لا يقتصر على بهجة الموسم إذ يلي الحصاد البدء بعددٍ من الصناعات الغذائية البسيطة، كالعجوة والدبس ومربى البلح، التي تُعين المزارعين على تعويض خسائر عدم تصدير المنتج إلى الخارج.

وهذا ما تؤكده سحر السري، المهندسة الزراعية، والمختصة في الصناعات الغذائية، إذ تقول: "إن الصناعات الغذائية البسيطة كالعجوة ودبس التمر، والمربى ساهمت بشكل كبير في إنقاذ مزارعي البلح من خسائر محققة في ظل استمرار الإغلاق وتفشي كورونا خلال العامين الماضيين"، ملفتةً إلى أن نوعيّة البلح التي تُزرع في القطاع تُعد الأنسب لمثل هذه الصناعات.

ويشتهر قطاع غزة بزراعة البلح "الحيّاني" ذو الجودة العالية، الذي سريعًا ما يتحول إلى رطب تُصنع منه أقراص العجوة التي تدخل في صناعة العديد من أنواع الكعك والبسكويت، ويزداد الطلب عليها في السوق المحلية.

وبحسب بيانات وزارة الزراعة فإن 12 ألف دونم من الأراضي الزراعية في القطاع تُزين بالبلح الأحمر "الحياني"، ويبلغ عدد أشجار النخيل المثمرة من الشجر الحياني 250 ألف نخلة، تنتج قرابة  15 ألف طن من الرطب الحياني، فيما يبلغ استهلاك المواطنين من العجوة سنويًا 1200 طنًا.

وخلال سنوات الحصار الممتدة لأكثر من 15 عامًا، وانتهاءً بانتشار جائحة كورونا، فقد تكبد المزارعون في قطاع النخيل خسائر هائلة، مقارنةً مع ارتفاع تكاليف الإنتاج، حيث يُراوح سعر النخلة الواحدة الـ 40 شيكلًا (الدولار يُساوي 3.20 شيكل)، وتحتاج إلى رعاية وعناية خاصة، لا سيما فيما يتعلق بمكافحة سوسة النخيل الأحمر، بالإضافة إلى عمليات التلقيح التي تبلغ قيمتها 10-20 شيكلًا على الأقل.

ويُشير مزارعون إلى أن هذه المصاريف في ظل انعدام فرص التصدير نتيجة عراقيل الاحتلال الإسرائيلي، وسياسة الإغلاق نتيجة انتشار وباء كورونا، من شأنها أن تُحملهم خسائر مضاعفة خاصةً مع انهيار القدرة الشرائية للمواطنين، نتيجة الأزمات الاقتصادية التي أفرزها الوباء والحصار معًا.

تعاونيات لإنتاج العجوة

ومن أجل تعويض الخسائر للمزارعين فإن العديد من الجمعيات الزراعية أنشأت تعاونيات لتشغيل النساء في موسم البلح، للعمل على إنتاج بعض الصناعات الغذائية وأهمها العجوة، نظرًا لزيادة الطلب عليها من السوق المحلي، إذ تدخل في العديد من صناعات الكعك والبسكويت والمختوم.

بالعودة إلى المهندسة سحر السري، فإنها تؤكد أن عملية إنتاج العجوة تتم بالطرق البدائية فقط، "وما يتم توفيره من قبل التعاونيات هو غرف التجفيف التي تعمل على زيادة إنتاج النساء، بخلاف آليات التجفيف التي يتّبعنَها في البيوت، التي تقوم على صف الرطب على صواني من الألمونيوم، وتعريضها للشمس لأيام تتجاوز الثلاثة".

وتُبين المهندسة الزراعية المعنية بتعليم النساء آلية تصنيع العجوة، أن مؤسسة العمل التنموي "معًا" بالتعاون مع بعض المؤسسات الدولية، تمكّنت من توفير وحدة تجفيف تعمل بالطاقة الشمسية، وتُعد الأولى من نوعها في قطاع غزة، بحيث تُحوّل كميات كبيرة من رطب البلح الحياني إلى عجوة يتم طرحها في السوق المحلي بأسعار تنافس المستورد.

أثر اقتصادي جيّد

خلال 40 يومًا تقريبًا -هي فترة نضوج البلح- وطرحه في الأسواق المحلية، يزداد العرض مما يؤثر على سعر البيع، فيتراوح سعر قنو البلح بين 10 و20 شيكلًا، ومع ضعف القوة الشرائية للمواطنين نتيجة توالي الأزمات الاقتصادية، يتعرض الموسم للكساد ويتحمل المزارع خسائر لا طاقة له بها.

وعلى صعيد الأثر الاقتصادي الذي يُحققه تحويل إنتاج ثمار النخيل إلى صناعات الغذائية،  يُحدثنا د.ماهر الطبّاع المختص في الشؤون الاقتصادية، فيقول: "إنّه السبيل الأمثل لتلافي الخسائر التي يتعرض لها المزارعون، بالإضافة إلى تنشيط اقتصاد الأسر محدودة الدخل في قطاع غزة".

ويُبين الطباع أن التوجه مؤخرًا من قبل المؤسسات الزراعية المحلية، أو الدولية، للمساهمة بتوفير مدخلات إنتاج مصانع العجوة، ساهم في إنقاذ المزارعين، ومكّن العديد من الأسر محدودة الدخل من الحصول على فرصة عمل ولو موسمية، ملفتًا إلى أن ذلك له أثر جيّد على الاقتصاد بشكل عام.

ودعا المؤسسات الرسمية والأهلية ذات التوجه الزراعي، إلى الاهتمام بتطوير هذه الصناعات وعدم حصرها في المشاريع الممولة من المؤسسات الأجنبية، ذلك من أجل ضمان دعمها للاقتصاد المحلي.