شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 24 اكتوبر 2021م01:08 بتوقيت القدس

الأسير أيمن الكرد … مخطط إعدامٍ برسم الإهمال الطبي

24 سبتمبر 2021 - 13:45

القدس:

خمس سنوات أمضاها الشاب الفلسطيني أيمن الكرد "25 عامًا" على كرسي متحرّك في سجون الاحتلال الإسرائيلي، الذي حكم عليه بالسجن 35 عامًا حين كان ابن عشرين فقط، وغرامة مالية قدرها 330 ألف شيكل.

"محاولة طعن"، تلك التهمة الجاهزة "كالدمغة" لدى الاحتلال الذي تجاهل إطلاق جنوده النار بكثافة على الشاب المقدسي أيمن-وهو من سكان بلدة كفر عقب شما القدس- لدى اعتقاله عام 2016، فأصابه باثني عشر رصاصة تسبب في حدوث شلل نصفي له، إضافة إلى الضرب المبرح أثناء الاعتقال.

يعاني الشاب العشريني القابع في سجن جلبوع، من آلام مبرحة نتيجة الرصاص والشظايا التي ما زالت تملأ جسده، وتحيل أوقاته عذابًا لا ينقطع، فالاحتلال الذي يمارس سياسة الإهمال الطبي بحقّه لا يعطيه سوى المسكّنات التي لم تعد كافية لوقف آلامه.

"ما يجري مع ابني هو موت بطىء"، هكذا تصف أم أيمن وضع ابنها في سجون الاحتلال، فهو بحاجة إلى تدخّل جراحي وأدوية لحالته، لكن ما يقدمه الاحتلال هو مسكّنات أشبه بالمخدرات التي فقدت مفعولها بمرور الوقت، تضيف :"أريد ابني في حضني لأعالجه بنفسي".

يمر أيمن بحالة نفسية سيئة نتيجة آلامه وعمره الذي يضيع خلف القضبان، وفقدانه القدرة على الحركة، لكنه يحاول إخفاء ذلك عند زيارة أمه التي لا تراه سوى من خلف زجاج والتحدث إليه عبر هاتف داخلي، يرتجف صوتها وهي تقول :"مهما أخفى آلامه قلبي لا يتوه".

أمه ذاتها تمرّ بأزمة نفسية سيئة، فهي تشعر بعجزها عن تقديم أي شيء لابنها، "لمن نشتكي فالقاضي هو الجلاد" تقول، لطالما دخلت غرفتها وحدها تجهش بالبكاء بعيدًا عن أبنائها كي لا تنقل إليهم شعورها بالقهر وتشعرهم بالعجز عن مساعدة أخيهم، ومع ذلك فقلوبهم تشعر بكل شيء.

وتضيف :"أناشد كل من يستطيع مساعدة ابني ألا يتأخروا، كثيرون يستطيعون، سواء مؤسسات حقوقية دولية أو التنظيمات والسلطة الفلسطينية"، كما ناشدت الإعلام الكتابة بكثافة عن قصة أيمن علّه يجد من يستجيب.

كان أيمن شابًا بشوشًا كثير الضحك والمزاح كما تصفه والدته، ورغم صغر سنّه بين إخوته فهو خامسهم، لكن كان الأقرب لها ولخالاته التي كان دائم الزيارة لهن، يعمل أيمن فنّي أجهزة تكييف، وخلال العام الذي شهد اعتقاله وإصابته كان أيمن يتجهز للخطوبة التي تأجلت حتمًا.

صور أيمن المبتسم تملأ جدران منزل السيدة التي تعرضت في الفترة الماضية للإصابة بفيروس كورونا، منعها من زيارته لفترة طويلة، إلا أنها تشتكي التضييقات الإسرائيلية الكثيرة عليهم أثناء الزيارة.

قضية أيمن ومعاناته من الآلام الشديدة داخل السجن والإهمال الطبي، أثارها مؤخرًا صديقه رفيق الأسر محمد البكري الذي تحرر قبل ثلاثة شهور بعد قضائه 7 سنوات في سجون الاحتلال، وحمل على عاتقه أن يكون صوت أيمن للخارج.

يقول محمد لنوى :"أيمن حالته الصحية صعبة جدًا، يعاني من شلل وآلام دائمة، يتناول يوميًا ما بين 15-20 حبة دواء، لدرجة أن جسده لم يعد يستوعب كم الأدوية وهي مسكنات وليس علاجًا لحالته".

تعرّف محمد على أيمن قبل عامين حين انتقل الأخير إلى سجن جلبوع، قادمًا من سجن الرملة، سمعه يناجي بصوت خافت "مين حاسس فيا يا عالم"، حينها قرر محمد مرافقة أيمن، واختار الانتقال من الغرفة التي كان سجينًا فيها مع شقيقه إلى غرفة أيمن الذي ربطتهما علاقة متينة.

"لا استقرار مطلقًا في حياة أيمن، يقول محمد، فخمس سنوات دون كشف طبي حتمًا أصبح العلاج معها غير مجدٍ، مؤخرًا تمكن طبيب من زيارته في السجن ومشاهدة صور الأشعة الخاصة به، ومع تأكيده بأن تأخّر علاجه تسبب في موت الكثير من الخلايا؛ لكن ظهرت أكياس في النخاع يرى الطبيب إنها تشكّل ضغطًا على الشريان، وهناك أمل لتخفيف آلامه في حال أجريت له عملية جراحية، لكن الاحتلال لن يفعل.

يضيف الشاب بصوت مرتجف: "فصل الشتاء كابوس حقيقي لأيمن، الشظايا التي تملأ جسده والبلاتين في قدميه، تزيد آلامه، الاحتلال يرفض إدخال المزيد من الأغطية والجاكيتات وحتى مدفئة رغم حاجة أيمن الملحّة لها"، لا شيء يمكن أن يسلّي وقت أيمن سوى الاستماع للأناشيد والقرآن، لكن الاحتلال يرفض إدخال الاسطوانات له رغم مطالبة الأسرى كثيرًا بذلك.

لا ينام أيمن بشكل عادي بل جالسًا لعدم قدرته على الاستلقاء على ظهره، أما محمد فلم يكن يستطيع النوم دون التأكد من نوم أيمن، بل إنه يحتاج للاستيقاظ ليلًا من أجل تعديل نومته.

علاقة روحية خاصة ربطت أيمن ومحمد، حتى إنهما لم يعودا يستطيعا الفراق، يوم الإفراج عن محمد كان أيمن آخر من ودعه في السجن، ذرفا سويًا دموعًا من نار وهما يتبادلان العناق الأخير، فالاحتلال لن يسمح له بزيارته.

هنا أجهش محمد بالبكاء وهو يقول :"في آخر فترة اعتقالي كنت أحمل همّ مغادرتي وترك أيمن الذي فكان متعلقًّا بي، لكن يريدني أن أخرج وأوصل صوته، هذا أمانة في عنقي دون أن يطلبه"، أخذ نفسًا عميقًا وهو يضيف: "أوصاني أن أهتم بنفسي ومستقبلي وأن يعرف كل العالم قضيته، وها أنا أجعل من صديقي هدفًا في حياتي".

"أنا صوت أيمن إن عجز عن مخاطبة العالم، حنجرته التي تصرخ إن لم يسمع أحد صراخه، أن رفيق زنزانته وهو شقيق روحي، تعلّقت به كثيرًا، أراه دومًا في أحلامي وأعيش حالة فقد بدونه، لم أعتد العيش دون أيمن، تركته مع أخي وأوصيت كل الأسرى الاهتمام به، حزني مضاعف أني لا أستطيع زيارته".

أما شقيقه عمّار، فقد انتهى لتوّه من إجراء مقابلة صحفية قبل حديثه لنوى، وهو يبدي استعداده الدائم للظهور عبر وسائل الإعلام للحديث عن معاناة شقيق، علّ صوتهم يجد من يسمع صراخ صراخ أيمن ويشعر بآلامه وحاجته للتدخل الجراحي والرعاية الصحية.

يضيف :"حاول إخفاء آلامه عنا وكنا نعرف أنه يعاني، لكن تفاصيل معاناته تحدّث عنها صديقه الذي كان يلازمه محمد البكري، نحن لا نراه سوى من خلف الزجاج ولا نكلمه إلا عبر الهاتف، وهذا موجع".

ومع علم العائلة التام إنه يعاني بسبب قلة الملابس، فالاحتلال ما زال يتعنت ويصرّ على رفض إدخال الملابس الثقيلة له، مؤخرًا تم منع والدهم من إدخال "بنطلون" بحجة أن فيه حزام مطاطي "استك"، ناهيك عن تعقيدات الإجراءات التي يتخذها الاحتلال من أجل السماح لهم بزيارته التي تكون من خلف الزجاج.

كان أيمن شابًا بشوشًا مرحًا صاحب نكتة خفيف الظل مقبل على الحياة التي قسّمها ما بين عمله الذي نجح فيه وساعات الرياضة في النادي والتنزه مع رفاقه آخر النهار ككل الشباب، هوايته السباحة التي أحبّها كثيرًا، لكن الاحتلال جعل عمره أيام تمر على كرسي متحرك.

كان حلم أيمن أن يؤسس لحياته المستقبلية ويخطط للخطوبة والزواج، لكن كما يؤكد صاحبه محمد "أمنية أيمن الآن أن يرتاح فقط".

حسب إحصائية لمركز إعلام الأسرى، فإن 25 أسيرًا يعانون من مرض السرطان، و24 مصابون بشلل كامل، و8 يعانون من فشل كلوي، 20 أسيرًا يقيمون في سجن الرملة بشكل دائم لخطورة وضعهم الصحي.

اخبار ذات صلة