شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 25 سبتمبر 2021م03:44 بتوقيت القدس

هكذا قد يرجع "الصيّاد" شهيدًا من بحر غزة

29 يوليو 2021 - 18:31
صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

شبكة نوى، فلسطينيات: غزة:

على مقربةٍ من الشاطئ في ميناء الصيادين غرب مدينة غزة، وقف مشدوهًا يلاحق بعينيه الموج. كان يصغي إلى هديره باهتمامٍ كأنه صديقٌ غائب التقى به صدفة، أمضى هناك بضع لحظاتٍ، سحبَ نفسًا عميقًا، وأغلق عينيه بقوة، ثم ولّى ظهره للبحر ومضى.

الشاب سيد الصعيدي –ويعمل صيادًا- وجد نفسه قبل عدة أيام يقف في عرض البحر، وجهًا لوجه مقابل الموت. إنه لا يصدق حتى هذه اللحظة أنه عاد إلى بيته حيًا بعد أن كاد يرجع على الأكتاف "شهيدًا" برصاص "إسرائيل".. إليكم ما حدث:

"لقمة عيش الصيادين مغمّسة بالدم" يقول سيد، وهو يحاول استعادة تلك اللحظة التي رفع فيها أحد جنود الاحتلال السلاح في وجهه مهددًا بإطلاق الرصاص حال لم يترك شباكه في البحر ويغادر.

حدث ذلك في الخامس والعشرين من تموز/ يوليو الجاري، حيث أعلنت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بشكل مفاجئٍ عصرًا، تقليص مساحة الصيد من 12 ميلًا بحريًا إلى 6 أميال فقط "ذلك بعد أن كان الصيادون الفلسطينيون في أوج عملهم بعرض البحر".

يضيف: "حينها كنت مع صديقٍ لي صياد أيضًا، وإذ بطرّاد –بارجة إسرائيلية- تتجه نحونا. صوّبَ الجنود أسلحتهم تجاهنا وهددوا بإطلاق النار إن لم نترك شباكنا ونغادر على الفور".

وبرغم أن الصيادَين انصاعا للأمر، إلا أن الجنود أطلقوا رصاصهم نحو الشباك، وأتلفوها بالكامل (سعرها 1800 شيكلًا، أي ما يقارب 600 دولار).

تلك الليلة على صعوبتها لم تكن استثنائية بالنسبة لسيد الذي عانى وأسرته الكثير بسبب انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي بحق الصيادين، فقبل عامين ونصف تعرّض شقيقه -وهو صياد أيضًا- لإصابة في عينه فقد على إثرها النظر، سبقها اعتقال شقيق آخر له عام 2017 ومصادرة مركب الصيد الذي تمتلكه العائلة، الأمر الذي دفع سيد للعمل لدى صديقه بعد أن كان صاحب مركب.

الأقسى من كل هذا، أن هذه الانتهاكات تشكّل هاجسًا لدى الصيادين وعائلاتهم، الذين يعيشون وشبح الموت يلاحقهم في كل لحظة.

يؤكد سيد، أن لا خيارات أخرى أمامهم (يقصد الصيادين)، "لا نمتلك أي مجال للعمل في مهن أخرى، لا سيما في ظل البطالة المستشرية بسبب الحصار، ناهيكم عن أننا اعتدنا البحر، والبحر اعتاد علينا".

ويتعرض الصيادون بشكل شبه يومي، لإطلاق النار وإغراق مراكبهم عبر فتح المياه صوبها من قبل طرادات الاحتلال الإسرائيلي التي تجوب البحر في كل الأوقات، وإغلاق المجال البحري "حسب المزاج" وأحيانًا بشكلٍ كامل خلال جولات التصعيد.

مسؤول لجان الصيادين في قطاع غزة، الصياد زكريا بكر، قال لـ"نوى" تعقيبًا على تقليص مساحة الصيد الأخيرة: "كان قطاع الصيد يتعرض لعملية تدمير ممنهجة من قبل الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 2000، إلا أن الخناق زاد عليه عام 2006، مع إعلان فرص حصار شامل على قطاع عزة، والتلاعب بمساحة الصيد من قبل الاحتلال، إذ كان يعلن أحيانًا أنها 12 ميلًا بحريًا، ويقلصها في أحيان أخرى إلى 6 أميال، بينما في الحقيقة فإن ما يمتلكه الصياد فعليًا هو صفر ميل!".

منذ عام 2006، يمنع الاحتلال الإسرائيلي(والحديث لبكر)، إدخال معدّات الصيد ما عدا الشباك، "وهناك ما يقارب 280 قاربًا بحاجة إلى صيانة، تفتقد إلى قطع الغيار"، موضحًا أنه منذ عام 2012م، لم يتم تصنيع أي مركب سواءً صغيرًا أو كبيرًا، "بل إن نحو 95% من محركات المراكب العاملة اليوم، غير صالحة، وعمرها الافتراضي انتهى، وتحتاج إلى صيانة".

يضاف إلى ذلك أن ملاحقة طرادات الاحتلال لمراكب الصيادين بهدف ترهيبهم مستمرة؛ "وكأنه جعل من الصيادين الفلسطينيين حقل تجارب لأسلحته" يقول.

وبقراءة سريعة لقرار تقليص مساحة الصيد الأخير، فإن الاحتلال اعتاد هذا التضييق في مواسم تكاثر الأسماك.

ويطرح بكر أمثلة على ذلك، بقوله: "في مايو/ آيار الماضي، أغلق الاحتلال البحر مدة 16 يومًا، وفي أغسطس 2020م، أغلقه لأكثر من أسبوعين، وهنا يخطئ الإعلام حين يقول تقليص مساحة الصيد من 12 ميلًا بحريًا إلى 6، والصحيح أن مساحة 12 ميلًا تكون مفتوحة من مدينة غزة إلى رفح فقط، أما في منطقة شمال القطاع فإن ما يُسمح بالوصول إليه هو مسافة 6 أميال فقط، ويصنّفها الاحتلال كـ"منطقة مقيّدة الوصول".

ويحذّر بكر من أن حصر الصياد في مساحة 6 أميال فيه تهديد للثروة السمكية، فالطبيعة الجغرافية لقطاع غزة تبدأ فيها المناطق الصخرية التي تتكاثر فيها الأسماك من 7 أميال ونصف، ومناطق الصيد التي يحتاجها الصيادون هي 20 ميلًا على الأقل.

ووفقًا للقوانين الدولية، فإن المناطق الاقتصادية الخالصة للشعوب تصل إلى 200 ميلًا، ويحصرنا الاحتلال في شريط ضيق، مساحته 40 كيلومترًا، عليه أن يكفي 4000 صياد، هم مجمل العاملين في هذا القطاع.