شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 23 سبتمبر 2021م03:45 بتوقيت القدس

معرض الإقامات الفنية يقدّم ملاذًا للفن في غزة

01 يوليو 2021 - 08:52

غزة:

في العادة يغرق سكان المدن التي تخرج من القصف في أعراض ما بعد الصدمة، لكن غزة التي تجاور البحر مدينة لا تجيد الغرق، خرج أهلها بعد أهوال العدوان الإسرائيلي يبحثون عن الحياة بشكل لا يُصدّق.

فبعد أقلّ من أسبوعين على توقّف العدوان؛ اختارت مجموعة "التقاء للفن المعاصر" تتويج المرحلة الثالثة من برنامج الإقامات الفنية في مشروع ملاذ الفن- الذي تنفذه بالشراكة مع مركز غزة للثقافة والفنون، وبدعم من مؤسسة عبد المحسن القطان، العودة بمعرض فني ضم نتاج عمل أربعة فنانين من غزة، في مرسم على شاطئ مدينة دير البلح.

كان من المقرر أن يستمر المعرض من 19-24 يونيو؛ لكن نظرًا لإقبال الجمهور تم تمديده حتى نهاية الشهر، ويضم لوحات الفنانين، فاخر عوض، عبير جبريل، أحمد مهنا وخلود الدسوقي.

قدّم كل فنان منهم مشروعًا متكاملًا -بعد ثلاثة شهور من العمل- عبر سلسلة من اللوحات التي يجمعها موضوع واحد، واتّسمت بصفات متداخلة لمدارس فنية تشكيلية مختلفة أبرزها الواقعية والسيريالية والتعبيرية والانطباعية والوحشية.

مشروع الفنانة عبير جبريل الذي حمل عنوان "إيقاع أسود" تميّز بألوانه الجريئة، حيث اختارت أن تكون بطلة قصتها الفنية راقصة الباليه- التي تخصصت في رسمها منذ أكثر من عشر سنوات.

وأكدت جبريل أن مشروعها يجسّد إيقاع حياة المرأة الفلسطينية في غزة "الأم والأخت والابنة المعنَّفة والمقهورة والمقيدة"، وأنها رسمت أنثى جميلة وقوية ومرهفة لا تستسلم؛ تقاوم وتحتفظ بجمالها وعنفوانها الداخلي، وأخرجتها للنور على إيقاع يخاطب الحواس كلها السمع والبصر والفؤاد.

تقول جبريل لنوى :" المرأة الفلسطينية جميلة وقوية، لن تخطئي في تمييز جدارتها ورشاقتها؛ محاولات حركتها على القنبلة مثلًا، أو محاولات انطلاقها من بين الركام".

وغامرت جبريل باستخدام خلفية سوداء يتجنب الفنانون التشكيليون عادةً استخدامها بدرجة واحدة، ويفضلون أن يستخدموا الأزرق الداكن المتدرج للأسود لكسر قتامته، لكن جبريل اختارت خلفية سوداء بالكامل، واعتمدت ألواناً تبرز الأسود وتعززه، مثل الأحمر والأصفر والأبيض، فخرجت لوحات مشروعها بخليط من سمات المدرسة الوحشية والتأثيرية والانطباعية.

وقدم الفنان فاخر عوض، في مشروعه (يوميات غزاوية) صوراً من الحياة اليومية لمدن غزة وشوارعها وشواطئها، معتمداً نمطاً تشكيلياً واقعياً لا يخلو من لمسات رومانسية وانطباعية منثورة بين تفاصيل لوحاته.

وثمّن عوض الفرصة التي أُتيحت له لينال حيزاً ووقتاً للخلوة التأملية التي أتاحت له إعادة تقييم تجربته الإبداعية، حيث يقول: "هذه الشهور الثلاث في (ملاذ الفن) تُعادل كل عمري الفني قبلها.. هي فرصة حياة حقيقة".

شكّلت هذه الفترة نقطة تحول في تجربة عوض الفنية، لذا يتمنى أن يعيد تجربة الإقامة الفنية، لو أتيحت له الإمكانيات المادية، وصرح لنوى أنه بدأ بالفعل التحضير لمعرضه الخاص، والذي سيشتمل على لوحات يعتمد فيها نفس الطابع الواقعي اليومي، وأنه ممتن لهذا التحول الفارق الذي غير نظرته لنفسه كفنان، وأعطاه حافزاً للتطور والتجديد.

أما الفنانة خلود الدسوقي فقد اختارت خوض مغامرة فنية شجاعة في مشروعها الفني (بارانويا)، المشروع يقدم حالات لمرضى جنون الارتياب والهلوسة والقلق الشديد عبر سبع لوحات دائرية ذات طابع سيريالي.

ويعتبر هذا المشروع تطور لتجربة الدسوقي في مجال الفن العلاجي النفسي، إذ أنها كانت قد خاضت تجربة أقل نضجاً في معرضها شيزوفرينيا غزة عام 2020 بمنحة من الصندوق الثقافي الفلسطيني.

تقول الدسوقي:" بفضل ميزة نقاش المشاريع مع محاورين متخصصين من الداخل والخارج- التي وفرها مشروع ملاذ الفن، استطعت تحديد وجهتي بشكل أدق، واخترت أدوات ونمط موحّد".

تضيف: "هذا ساعد على تركيز الفكرة وتكثيفها وتقديمها بشكل متناغم ومتناسق، لكنه في نفس الوقت جديد ومتفرد بأفكار وطريقة عرض خارج الصندوق".

وأخيراً رصد مشروع الفنان أحمد مهنا (دائرة مغلقة) واقع من وصفهم بـ "الفنانين والشعراء والأدباء والمبدعين والمبتكرين والنوابغ في غزة".

ومع أنه يميل عادة لاعتماد طابع المدرسة التعبيرية؛ إلا أن لوحاته في هذا المشروع اتسمت بخليط من السمات السريالية والوحشية والانطباعية أيضاً، وأضاف لها جمل مرمّزة مكتوبة بخط الزخرفة العربية مع تكثيف الظلال وتداخلها على طريقة المدرسة المستقبلية.

لم يحاول مهنا تجميل الواقع؛ رسم جواً عاماً من المعاناة التي تصل حد العذاب في ملامح شخصياته، لكنه مع ذلك رسم لشخصياته "التنويرية" خارطة طريق نحو النجاة عبر رسائل مشفرة من الأمل والثبات في الكلمات المخطوطة على لوحاته مثل: "فإن الأمل ذاته موجع حين لا يتبقى سواه"، و"لن تستطيع أن ترى الشمس وأنت في غرفة مظلمة"، و"قدر نعشق الصعاب ونمشي في طريق به الشجاع يهاب".

أجمع الفنانون الأربعة على أهمية مشروع ملاذ الفن، وأن هذه التجربة شكلت نقطة تحول فاصلة في حياتهم، جعلتهم أكثر وعياً بهويتهم الإبداعية واستعداداً لتجارب جديدة من الاستكشاف والتطوير الذاتي.

يفكر الفنانون الأربعة في التحضير لمعارض فنية مستقلة تتسع لإبداعات جديدة، ويتطلعون للمزيد من تجارب الإقامات الفنية سواءً كانت داخلية تعزز هويتهم وانتماءهم، أو خارجية في أماكن جديدة تثري وجدانهم وتجربتهم الإنسانية.

حقق المعرض نجاحاً نقدياً وجماهيرياً وتلقى الفنانون ردود فعل إيجابية من المختصين للمستوى الفني النوعي الذي قدموه، وعلق الفنان محمد الحواجري- مدير برنامج الإقامات الفنية في مشروع ملاذ الفن، بأن الفنانين الأربعة قدموا مشاريعاً تتميز بتفردها، لكنها جميعاً تنقل صوراً من الواقع الغزي، وتظهر حالة الاشتباك الدائمة بين الفنان والبيئة المحيطة به.

وأضاف الحواجري أن المعرض يأتي تتويجاً للمرحلة الثالثة من مشروع ملاذ الفن للإقامات الفنية الذي يوفر مرسماً مجهزاً لاستضافة فنانات وفنانين تشكيليين، يستطيعون فيه خوض تجربة فنية متكاملة، تساعدهم على تطوير مهاراتهم وبلورة الهوية الإبداعية لكل منهم، مع توفير محاورين داخليين وخارجيين ليناقشوا معهم مشاريعهم وأفكارهم دون تدخل في قراراتهم أو خططهم.

يُذكر أن المشروع يتم تنفيذه من خلال مجموعة التقاء، وهي مبادرة من مجموعة فنانين تشكيليين- شابات وشباب، تعمل على توفير مناخ يحفز الإبداع ويوفر فرص للفنانات والفنانين الشباب لتطوير مواهبهم ومساعدتهم على الانتشار محليا وعالمياً.