شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 02 ديسمبر 2022م05:06 بتوقيت القدس

روايات التهجير الفلسطيني عام 1948: خبصة خليل شمالي: حكاية أرض وشعب

16 فبراير 2020 - 09:17

حين نسرد حكايات التهجير الفلسطيني عام 1948، يظلّ الحلم طازجاً، وعابراً للمؤامرات المستمرة، وعصياً على النسيان.
تروي "أم حسن" حكايتها، حين هُجِّرت من قريتها العلمانية (شمال شرقي صفد)، إلى بنت جبيل، إلى صور، إلى بعلبك، إلى سعد نايل (في البقاع)، حيث أقامت حتى رحيلها يوم 30 كانون الثاني 2020.
ترحل "خبصة خليل شمالي" معطَّرة بالعنبر، برائحة العلمانية، ترحل الفلسطينية الشجاعة التي ساهمت في اقتصاد عائلتها، وفي بناء بيتها، وطبَّبت وشفت العشرات من العائلات الفلسطينية، وعلَّمت مهنتها للعشرات من الصبايا، في الشتات، دون مقابل.
أما روايتها فهي باقية ما بقي الزيتون والصبار، وما بقي حلم العودة مشتعلاً.
*****
أنا "أم حسن"، "خبصة" بنت "خليل شمالي" من العلمانية/ شرق صفد.
طلعت بنت عشر سنين، بس فهمانة واعية، طلعت بِخَواتي لا إجا أبوي، الله يرحمه أبوي جابنا وحطنا في ديشوم/ شمال صفد، ديشوم بلد مغاربة، قاعدين على حدود لبنان. وفي ناس منينا طالعَة قبلنا، شي راح على سورية، شي سقط بالميّ وفات على الغابة، شي أكلته الوحوش بالغابة.
وإحنا طالعين صاروا يقوّصوا علينا، وماتت مرا، اسمها "أم عطية"، وتصاوبت مرة جدّي، اسمها "فاطمة العيسى".
لمّا أبوي إجا وقال: ديشوم بترحل وبدنا نهِجّ، جابونا على عيترون، في جنوب لبنان، وكان عنا الأرض والخير والزيتون من جميع إللي زرعت العالم، كأنه بقاع. يوم هجَّت العالم هجِّينا، وردّينا، إجينا من عيترون، إجا جيش الإنقاذ، أروح أنا وأختي نلقِّط من ميس، قريبة على الحدود، نطّلع هِيك على الوادي القتلى بالأرض، بدنا نوكل، نحصد القمح، ونجيب أنا و"زهرة"، نضُبّ ونجرش وناكل.
قالوا: إجا جيش الإنقاذ على عيترون حماية للفلسطينية، وقالوا: العرب نجحت، صرنا نغني ونقول: العرب نجحت. كانت أختي "زهرة" (زهرة خليل شمالي) تروح تغسل لجيش الإنقاذ، وتُخبز ليهم، وتجيب شوية طحين، وتجيب أواعيهم تغسلها. أمي (فتنة يوسف شمالي) ضلّت بفلسطين، وَرّدت إجت "زهرة" معنا، وصرنا نروح بالليل نحصد قمح، "زهرة" تنزل زلمي مع أبوي على الشغل، نحصد ونضبّ الذرة ونضبّ العرانيس. وبالنهار جيش الإنقاذ يضرب وهِنّه يضربوا بالجيش، طحنوه للجيش كلّه انقبر بالطرقات، مات نصّه، رشّوه رشّة وحدة وضلّ نُصُّه بالجبال.
وردّينا إجينا على عيِترون، هجّينا وهجّت رَبع عيترون، وين إجينا؟ على صور، خيّموا لنا خيم، والخيمة فيها أربع عيال، كنت متزوجة جديد، نروح وين؟ على الناقورة نجيب حطباتنا لنخبز، شفنا أيّ نجوم وأيّ لِيل!
رحنا بعدين على بعلبك، على العمار، شو بدّه يسَع لَيسَع في بركسات الخيل! أربع خمس عِيَل، كَانوا الفرنساوية يربطوا فيها الخيل، قعدنا فترة، ما لايَمَت أبوي، طلعله غرفة بالبناية تحت بالأرض، قعد فيها، يوم إللي تزَّوجِت قُلتِلُّه: بدي أقعد، شو بدي أسوّي؟! قالّي: ولا يهمك، والله لأعمِّرلك وأسوِّيلك إياها غرفة من شعر عيوني. طلعنا من البركسات، في عند جارنا أرض وأنا حامل، ونجيب تراب، لَعَمّرنا غرفة، يوم اللي عَمَّرنا هناك اشترينا بَرندا، أخدناها من جارنا، وعملناها غرفة، خلْفت بالغرفة ست صبيان وثلاث بنات، جوزي وحداني، والله أعطانا أولاد وربِّيناهم، إتنين فاتوا بالبركة ماتوا، و"فتحي" كمان، قضاء وقدر، كان رئيس المسؤولين، أقولُّه: يمّا حاطّ شعار "فتح" بالساعة، قلّي: بتعرفي يمّا، هون بدي أحُطّ الشعار (بين العينين).
كنت متزوجة جديد، نروح وين؟ على الناقورة نجيب حطباتنا لَنِخبِز، نجيب حطب، نحزِّم بطِنّا بالحطّة، وأروح على الجبال، من طلعتها لمغيبها، وصار معنا مصريات، نشتغل وتلاقي البنات والصبيان تشتغل، بطني لحلقي، لا نزفت ولا روّحت ولا طرحت، صبرنا وتهجَّرنا وردِّينا، ودشَّرت المخيم والله أرزقني، وبعنا البيت هناك إللي عمَّرناه. إللي مَضَّتُه الفلسطينية ما حدّا مضّاه!
والله والله تمرّ الفلسطينية، يقولوا (أهل المنطقة): هاي فلسطينية ما تَوَاخذها، حمارة، إذا ما حيّدت عن الطريق. مضّينا مضّينا بسّ الحمد الله طلّعنا بشرفنا ما انهِنَّا.
الله وعدني بالجْبار، وصرت أَجَبِّر وأتسّلى، أجبِّر لله، والله أخد بيدي، أجبِّر خلع الولادة، أجبِّر لوجع الظهر، وأجبِّر لوجع الرُّكَب، وأجبِّر المكسور. أمي داية، وأنا داية، بَسعِف المريض، بَرقّ الظهر. بيجوا، من بقاع الغربي، من زحلة، من مجدلون غاد بعلبك، من السفر الزلمي قال: جايبلي باسبور، لشو؟ قال: رحت على ثلاث دول وما عِرفوا لي، والله والله يا حجة هادا اسمك وباسبورك معي، تروحي؟ ييي! قلتله: يخلف على الله، جارنا مات هين وما رُحت، من يوم ولادي ما عاد رُحت ولا إجيت يا خالتي.
هاي السوريين إللي تَهْجّرت كلها مشحَّرة، كلها من الهجيج بييجوا لعندي، بس إسّا علّمت كتير العالم. آه، بعلِّم.
واحد مات وصَفرَن بيجي ساعة، ساعة ونُصّ، وأنا بلشانة، كيف أسعفته؟ قاعدة أجبِّر أخوه وهو واقف، ما شفت إلا دَبّ، ربك إجا على وجهه، قلبته على قَفاه، تحطّي إيدك هون ما في أحُطّ إيدي، يشرب ابنك، يسكَر، يدخِّنْ، لا، لا، لا، ولا وصفة في! وقفت للقِبلِة، قلتله: باسمك أناديك يا الله، أنا فلانة، تزيح هالجريمة من عندي، وتوعّيه، ويقوم بالسلامة، شو سَوّيت؟ حطّيت تمّي على تمّه ونفخت، والله، والله ما أزلّ، إلا فَزّ وقام على طوله! جباري قليل حدا يعرف يظبطه، للرُّكبِة إذا حايدة الرُّكبِة، أو فيها شريان، أو فيها كلس، أقولُّه: اعجن عجينة بخل وطحين، وما تحط مَيّ وحُطّها لإجرك، كتير كتير وصفات كنت أوصف".
*****
"الذهب اللي عند الناس ضلّ بأرضه، على بِين ما ترجع الناس، الرزق ضّل بأرضه، الفلسطيني طلع مرفوع الراس، ما إجانا سلاح من برّه ولا فَزَع لينا حدا، ما في أرض مثل أرض فلسطين أبداً أبداً، الأرض بتشبعي منها الدرقيني (الدراق)، الخويخي (الخوخ) تصير حبة الخويخي هالقَدّ بالأرض، نوكل منها والدرقيني نوكل منها، والفطر، ومن جميعه، وريحة العنبر.
كان أمان، أمان، وانشالله فلسطين عربية وبتضلّ عربية، ويحمي هالشباب بِقدرته".
[email protected]
www.faihaab.com

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير