شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 02 ديسمبر 2022م04:47 بتوقيت القدس

نعمت كمال: باقية في الذاكرة الشعبية الجماعية

03 ديسمبر 2017 - 11:24
شبكة نوى، فلسطينيات:

حين بلغني خبر رحيل الغالية «نعمت كمال»، يوم 25 تشرين الثاني 2017؛ قفزت أمامي صورتها صبية، تمشي في سجن نابلس المركزي، العام 1969؛ ونمشي معها؛ إثر استدعائنا، بواسطة السجانة، إلى حيث لا نعلم: «نعمت»، التي تحمل يدها المكسورة، و»رندة النابلسي»، التي تضع يدها على أذنها، والوالدة: «عصام عبد الهادي»، التي تعاني من أثر جرح على الجبين، و»سهام الوزني» وأنا نمشي مشية عرجاء.
أين تمضي بنا يا «راني»، لم هذا التكتم؟! 
وصلنا أخيراً. الغرفة كبيرة وساكنة ومهجورة. أقفلت السجانة علينا الباب، وتركتنا دون تفسير.
• استنوا، رح نعرف بعد شوي، واضح أن اختيارنا ما كانش صدفة!
• ياللا يا بنات نقرا اللي انكتب على الحيطان، لسّه ما حدِّش محاه.
أحسسنا أن الغرفة كانت تعجّ بالسجناء منذ مدة ليست طويلة:
«آه يا جرحي المكابر/ وطني ليس حقيبة/ وأنا لست مسافر/ إنني العاشق والأرض حبيبة».
«إنّا هنا باقون كالجدار/ نجوع/ نعرى/ ننشد الأشعار».
«إنّا هنا باقون فلتشربوا البحرا/ نحرس ظلّ التين والزيتون/ ونزرع الأفكار كالخمير في العجين». 
أضفنا كتاباتنا، ورسوماتنا، إلى الكتابات الموجودة. وبعد ساعات طويلة خلناها دهراً؛ وصلنا صوت راني الكئيب:
• ياللاّ إلى السجن يا بنات. 
وحين وصلنا، استفسرت الفتيات:
• وين كنتوا؟
• ليش؟ شو حصل؟
• أجا الصليب الأحمر الدولي، وسأل عن التعذيب، ولما قلنا له؛ طلب يشوفكم؛ ما لقاش ولا واحدة منكم.
*****
عرفنا «نعمت كمال» مناضلة صلبة؛ تعمل لإنجاز ما يطلب منها من مهام وطنية وحزبية وإنسانية؛ بكل ترحاب، وبهمة عالية، مع كتمان تام.
وحين طلبنا منها توثيق تجربتها الحزبية، منذ التحقت بحركة القوميين العرب، - ضمن مشروع توثيق المساهمة السياسية للمرأة الفلسطينية منذ الثلاثينيات حتى أواسط الستينيات، الذي بادرت إليه إدارة المرأة وزارة التخطيط العام 1998 -؛ رحّبت بتحفظ، وحين طلبنا منها الحديث حول تجربتها في المعتقل العام 1969، - ضمن مشروع نساء رائدات، الذي بادرت إليه مؤسسة الرواة للدراسات والأبحاث - تحفّظت أكثر، وطلبت عدم نشر تفاصيل تجربتها الآن.
*****
«عملت في سلك التدريس، درَّست 6 سنوات في مدرسة بنات حوارة. استنكفت عن العمل، العام 1967، بعد احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية، عند إعلان العصيان المدني، ومقاطعة البضائع الإسرائيلية. تربيت في عائلة وطنية؛ بثت والدتي فينا هذه الروح، وكانت قدوتنا. أول ما أذكره هجرة 1948، عندما احتلت إسرائيل مناطق 48، وهاجر العديد من أهاليها إلى الضفة الغربية، كان عمري 8 سنوات. وكانت المدارس والأهالي يخرجون بمسيرات ومظاهرات ضد الاحتلال الإسرائيلي. كنت أشارك في كل مسيرة تخرج، وألفّ حولها لأستطلع الوضع عن كثب. في إحدى المرّات شافتني المدرِّسة المشرفة على المسيرة، مسكتني من إيدي، ودخلتني وسط الحشد، فقد كنت صغيرة، ولا أحد يراني وسط الجمهور الهائل. كان نظام المسيرة، أن تكون النساء المتواجدة متكاتفات مع بعضهن البعض، حتى يصعب تفريق المظاهرة، فيظهرن كأنهن جسم واحد. 
التحقت بحركة القوميين العرب، وأهدافها نفس الأهداف، اللي مطروحة عندنا في العائلة: الّلي هي التحرر الكامل. صحيح انه إخوتي، وأولاد إخواتي، كانوا من نشطاء حركة القومين العرب، لكن أنا انتميت للحركة، من خلال ناس ثانيين. عملت ضمن خلية مختلطة، المسؤول عنا رجل، كنا جميع أعضاء الخليّة بنفس المستوى، كانت الحركة مقسّمة إلى خلايا، وكلّ خليّة لها عمل معين، ومسؤول عنها فرد، ونحن بدورنا مسؤولون عن أشخاص آخرين. لم أكن في نفس الخلية التي يعمل بها إخوتي، كانت اجتماعاتي منفصلة. كلفت القيام بالعديد من المهام، مثل توزيع النشرات، جمع تبرعات للمحتاجين، حضور وإجراء ندوات سياسية، العناية بأسر الشّهداء والمعتقلين، النضال: ليس فقط مقاومة الاحتلال، كان فيه من شباب العودة يستشهدون، فكنا نعتني بزوجاتهم وأطفالهم. شباب العودة، أول عمل سياسي يقومون بعمليات مسلحة داخل فلسطين، ويعودون مرة ثانية إلى أماكنهم في غزة، كان هذا سنة 1964. كنّا ننقل مناشير وأغراضا من مكان إلى آخر، أي مدينة ثانية، كان على المرأة عبء كبير في الحركة أكثر من الشاب؛ لأن حركتها أسهل، وتستطيع التنقل بسهولة من مكان إلى آخر أكثر من الشاب. كنت أعمل نادي داخل المدرسة، أبثّ الوعي السياسي بين الطالبات. 
طرحت قضية المرأة داخل حركة القومين العرب منذ بداية التأسيس؛ لأن عملها كان جنباً إلى جنب مع الرجل، ولم تفصل قضيتها عن المجتمع بأكمله. وصلت المرأة في الحركة إلى مراكز قيادية، وبعضهم اعتقلوا أيام الأردن، وتعرّضوا للتعذيب مثل الشباب تماماً. أعلى رتبة وصلت إليها المرأة داخل الحزب قيادة قطرية. نسبة النساء في المواقع الإدارية، كانت تمثل (4 - 5)، أي أربع نساء مقابل خمسة شباب. 
كان أكثر من نصف الأعضاء في الحركة فتيات. لم يكن داخل الحركة تفريق بين شاب وفتاة.
كانت اجتماعاتنا أسبوعية، تتمّ في بيوتنا، وهناك اجتماعات طارئة نتيجة الأحداث التي تمر بها المنطقة. أما بخصوص اجتماع القيادة القطرية، فقد كان يتم خارج البلاد، كنا نسافر خارج البلاد لحضور الاجتماع، وننقل بدورنا إلى المجموعات المسؤولين عنها، ما تم في الخارج».
*****
آمنت المناضلة بالارتباط العضوي بين العمل الاجتماعي والعمل السياسي: 
«كلفت القيام بالعديد من المهام، مثل توزيع النشرات، جمع تبرعات للمحتاجين، حضور وإجراء ندوات سياسية، العناية بأسر الشّهداء والمعتقلين، النضال: ليس فقط مقاومة الاحتلال، كان فيه من شباب العودة يستشهدون، فكنا نعتني بزوجاتهم وأطفالهم».
وآمنت أن النضال لا يتجزأ: «كل نضال في الحياة له قيمة: السياسي والعسكري والثقافي والإنساني. كل واحد مخلص في عمله مناضل».
*****
نعمت العزيزة، القائدة السياسية، والتربوية المتميزة، والإنسانة،
رحلتِ بصمت، مثلما ناضلتِ طيلة حياتك بصمت،
عملتِ من أجل حرية شعبك، واخترت الطريق الصعب: طريق العمل السياسي بأشكاله المتعددة، ورغم أن الطريق ما زال صعباً؛ إلاّ أن رفاق دربك، وزميلاتك، وطالباتك؛ سوف يحملون الشعلة والرسالة، ويكملون المسيرة حتى تحرير الوطن وتحرير الإنسان. 

[email protected]
www.faihaab.com

كاريكاتـــــير