شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 29 يناير 2023م00:40 بتوقيت القدس

تريُّث الحريري... لا يعني سحب الاستقالة ولا انتهاء الأزمة!

28 نوفمبر 2017 - 10:37
شبكة نوى، فلسطينيات:

حقّق الرئيس سعد الحريري عودتين في يوم واحد؛ إذ عاد إلى بيروت بعد أزمة غيابه الغامض والملتبس، وعاد عن استقالته "مؤقتاً"، في حين اعتبرها البعض نهائية وغير قابلة للتفاوض على ضوء البيان الناري الذي تلاه من الرياض. ومع تريّث الحريري، تكون المساعي الدبلوماسية التي دخلت أكثر من دولة عربية ودولية على خطها، ومنها الولايات المتحدة، على قاعدة حماية الاستقرار والسلم الأهلي في لبنان، قد أتت بمفاعيلها.
والتريث من وجهة نظر الحريري، لا يعني سحب الاستقالة أو انتهاء الأزمة الحادة، بعدما انفجر النظام اللبناني نتيجة الصراع الخليجي – الإيراني، ووقوف لبنان في عين عاصفة التناقض العربي- الفارسي، في مرحلة من التصعيد السياسي والمفتوح على احتمالات عسكرية، على وقع تدخل "حزب الله" في أكثر من مربع ودائرة بالمنطقة العربية لصالح المرشد الأعلى، بل يعني تجميد الاستقالة في انتظار استكمال بلورة المساعي الخارجية، وإعطاء فرصة إضافية للقوى اللبنانية الداخلية، وفي مقدمتها الرئيس ميشال عون الذي كثف اتصالاته ومشاوراته مع الأفرقاء اللبنانيين، وعلى الأخص مع "حزب الله"، في محاولة منه لبلورة تسوية معقولة وإيجاد مخرج للأزمة اللبنانية الحرجة عنوانها "النأي بالنفس"، بعدما أدرك عون أن تمسكه بالحريري رئيساً للوزراء لا يقف عليه وحده، بل هو موضع شبه إجماع لبناني، وموضع تقاطع إرادات خارجية أيضاً، وهناك مظلة دولية فوق لبنان ظهرت في الأسابيع الماضية تكرس مقولة: إن المس بالاستقرار اللبناني خط أحمر. وعن عناوين التشاور الرئاسي، أشارت مصادر بعبدا إلى أنها تتمحور حول "النقاط الثلاث التي أعلنها الرئيس الحريري في البيان الذي تلاه صبيحة عيد الاستقلال من القصر الجمهوري، وأكد فيه التجاوب مع تمني رئيس الجمهورية عليه بالتريث في الاستقالة"، مذكّرةً بأنّ هذه النقاط الثلاث هي: "النأي بالنفس، والطائف، وصون العلاقات اللبنانية – العربية الأخوية". 
وبإعلان الحريري تريثه من بيروت -الذي يبدو أن أمامه مهلة ضمنية وليست مهلة حصرية- ترك سيف الاستقالة مسلطاً فوق رؤوس الجميع، واضعاً الجميع من الحلفاء والخصوم، أمام مسؤولية تاريخية لتحمل تبعات وأوزار مواقفهم، في إطار استعادة التوازن الداخلي ومنع الانزلاق المتمادي في المحور الإيراني. مع تأكيد مصادر في التيار الأزرق – تيار المستقبل، نقلاً عن الحريري فيما يشبه الوعد القاطع، بأنه لن يكون هو وفريقه السياسي وقوداً لأي نزاع أهلي في لبنان، ولن يكون في يوم من الأيام مع إسرائيل ضد أي فريق لبناني، لأن هذا الأمر ببساطة، هو من صميم كتاب الشهيد رفيق الحريري وتجربته ووصيته التي لن يفرط بها. ووفق ما شدد عليه سعد الحريري مباشرة في معرض تأكيد حرصه على المصلحة الوطنية العليا، قائلاً: "نحن أمّ الصبي وندعو للحفاظ على البلد والاستقرار". 
والتريّث الحريريّ عملياً، هو من أعراض الحيرة في التعامل مع "حزب الله" ومع فائض قوّته، فمن ناحية، يستحيل القبول بأدواره الخارجيّة، التي تسببت بتردي العلاقات العربية في لبنان إلى مستويات غير مسبوقة، فلم يحصل في تاريخ لبنان أن يتحول هذا البلد الصغير إلى منصة لاستهداف الدول العربية والخليجية إعلامياً وسياسياً وعسكرياً، ولم يحصل في التاريخ اللبناني تدخل قوى فيه في الصراعات الإقليمية ميدانياً وعملاتياً، والقتال بجانب أنظمة سياسية كما شهدته هذه المرحلة، فضلاً عن سلاح "حزب الله" الذي أصبح قوة تفوق الدولة اللبنانية وليست موازية لها، ومن جهة ثانية، يستحيل الصراع مع هذا السلاح لأنّه محكوم سلفاً بالهزيمة، فضلاً عن كونه يدمّر لبنان على رؤوس الجميع. فسلاح "حزب الله" أشبه بالفيل الصغير الذي جرى تسمينه عاماً بعد عام حتى صار حجمه يساوي البيت الصغير الذي تربى فيه، وهكذا فإن القضاء على هذا الفيل الضخم أصبح يعني تدمير البيت بأكمله. ويرى المراقبون أن "حزب الله" العسكري فرض على أكثرية اللبنانيين وضعاً بقوة السلاح وليس بقناعاتهم عن دوره في المقاومة الحاضرة والمستقبلية ضد إسرائيل، والدفاع عن لبنان وحماية لبنان من الأخطار التي يستولدها ليقاومها فيما بعد. والمقصود هنا ليس "حزب الله" كحزب سياسي وازن وكبير له الحق في انتماءاته السياسية والوجدانية، وأفكاره ومقارباته، وكأحد أبرز المثليين عن الطائفة الشيعية في لبنان، بل كحزب عسكري عابر للدول.  
هذه اللوحة الكئيبة لعجز الدولة اللبنانية عن "لبننة الحزب" في إطار إستراتيجية دفاعية يتوافق عليها الأفرقاء. رسمها أيضاً من صفقوا لـ"حزب الله" طويلاً، حتى بعد أن تم تحرير الجنوب اللبناني، سواء في لبنان أو خارجه، حيث ابتلعوا سلاح "حزب الله" ومارسوا النفخ فيه حتّى باتت مهمّة التخلّص منه تتعدّى حجم لبنان وقدراته وتتّصل بتحوّلات وأدوار إقليمية. ووضعت العلاقة بين الدولة والسلاح خارجها وخارج مؤسساتها، سواء في لبنان أو فلسطين، وطبعاً شعارات التحرير والثورة من مختلف الأصناف... وضعتها كلها على المحك وتحت المجهر.
وفي الأزمة اللبنانية، لا بدّ من التوقّف عند دور رئاسة الجمهوريّة، آخذين بعين الاعتبار ما نادي به الرئيس عون مطولاً عن استعادة الدور المسيحي في لبنان، ونظريّة -الرئيس القويّ- الذي طالما تغنى به، تبرز في هذه اللحظات تحديداً بما يثبت صحتها أو يثبت خطأها. فإذا بدا من المستحيل اليوم طرح مسألة سلاح الحزب مع رفض قائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي الجعفري التفاوض على مصير سلاح "حزب الله"، فقد لا يكون مستحيلاً بالدرجة نفسها طرح مسألة تورطه الخارجي، فإن لم تجر محاولة كهذه الآن في عهد عون استمرّت رئاسة الجمهوريّة في الدور الذي لعبته منذ انتخاب أميل لحّود، وهو حراسة نموّ "حزب الله" وتضخّمه، مع الإقرار بأن دور عون لن يكون سهلاً وهو الجمع بين المتناقضات.
واستقالة الحريري البيانية أيضاً، جاءت تعبيراً دقيقاً عن المأزق الذي وصل إليه النظام السياسي في لبنان الذي تشكل خلال اتفاق الطائف، حيث كانت التسوية الرئاسية التي قامت قبل عام وأوصلت ميشال عون إلى قصر بعبدا، وأعادت سعد الحريري إلى السراي الحكومي، هي محاولة لإنقاذ ما يمكن من النظام الذي أتى به الطائف. كانت التسوية ملغومة من الأساس، وغلب عليها منطق المحاصصة والصفقات، مقابل غض النظر عن القضايا الجوهرية وانخراط "حزب الله" في المعارك الدائرة بالإقليم.
وعليه، فإن الاستقالة البيانية، وبغض النظر عن أسلوبها وشكلها وظروفها وملابساتها، قد فعلت فعلها وقلبت الطاولة وأدت إلى مشهد داخلي جدير بالقراءة المتأنية والفاحصة، وإن منطق الغالب والمغلوب، لا يصلح في لبنان المحكوم بمنطق التسويات، وإن قبول الحريري بالدخول في التسوية الرئاسية على عاتقه لم يكن على أساس فريق منهزم وآخر منتصر. وعوضت استقالة الحريري والأزمة الحادة التي رافقتها ما فقده من شعبية خلال السنة الماضية من عمر التسوية الرئاسية. 
وتعتقد مصادر سياسية لبنانية أن المرحلة التي يعيشها لبنان اليوم ستمتد إلى مرحلة الانتخابات النيابية، مستندة في ذلك إلى الغطاء الدولي للاستقرار في البلد، لذلك فإن "التريث" برأيها كان المخرج اللائق للأزمة، وهو يعني استمرار الحريري في رئاسة الحكومة، وتسيير أمور الحكم (تعويم الحكومة)، من دون أن تكون هناك جلسات حكومية متتالية، على الأقل في المدى القريب، وإلى حين نضوج عناوين واضحة وصريحة لمبدأ "النأي بالنفس"، خصوصاً مبادرة يُقدِم من خلالها "حزب الله" على إعلان قرارات ملموسة لوجوده في الداخل السوري، وانسحابه رسمياً من ملفات إقليمية، وهو أمر لن يحصل وفق المصادر بين ليلة وضحاها، فضلاً عن أن أي قرار بهذا الشأن مرتبط بالصفقات الإقليمية. وفي المرحلة الفاصلة لإنضاج تسوية، سيعيش البلد في ظل تجاذب بين مشاريع إقليمية متناقضة.

كاريكاتـــــير