شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 29 يناير 2023م00:47 بتوقيت القدس

استقالة الحريري والتوصل إلى تسوية عنوانها «النأي بالنفس»!

20 نوفمبر 2017 - 10:36
شبكة نوى، فلسطينيات:

بعد وصول الرئيس سعد الحريري إلى باريس قادماً من الرياض برفقة عائلته، واستقبال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الحار له في الإليزيه بصفته كما قال "رئيس وزراء لبنان"، تكون "أزمة استقالة الحريري" المفاجئة في الرابع من هذا الشهر وما تبعها من تطورات، قد طوت الفصل الأول الصعب، لتبدأ فصلاً جديداً لا يقل عنه صعوبة.
فقد شكلت استقالة سعد الحريري– الصاعقة - أزمة غير مسبوقة في تاريخ لبنان، إن كان في صورتها أو مكانها أو مضمونها أو ظروفها، والتي جاءت في سياق بيان اتهامي عنيف موجه إلى إيران و"حزب الله" تلاه الحريري من الرياض، وتزامنت مع التطورات الدراماتيكية الداخلية الذي تشهدها المملكة السعودية.
وبدلاً من بحث "حزب الله" في جوهر الاستقالة، هرب وفريقه السياسي من مناقشة أسباب الاستقالة –لأنها تدينهم- وتعلق بشكل الاستقالة، وبالسؤال: "أين سعد الحريري"، "وهل هو موجود في الرياض تحت الإقامة الجبرية". ورفعت قوى الثامن من آذار سقف التخاطب السياسي مع القيادة السعودية، إلى حد اتهامها باحتجاز الحريري. الأمر الذي نفاه الحريري مراراً وتكراراً مؤكداً في تغريداته ومقابلاته التلفزيونية أنه يقيم في المملكة بكامل إرادته وحريته، لإجراء مشاورات مع الرياض حول مستقبل لبنان والمنطقة، وإلى حين التأكد من ضمانة سلامته الشخصية لدى عودته إلى لبنان.
لذلك كانت عودة الحريري إلى لبنان أكثر من ضرورية على كل المستويات بعدما تحولت إلى منصة سجال سياسية وإعلامية لبنانياً ودولياً حول طبيعة وجوده في الرياض، والأهم أنها موضوع سيادي لبناني من الطراز الأول ومؤسساتي ثانياً، وهي مرتبطة بالخيارات والقرارات المصيرية التي سيتخذها الرئيس الحريري لدى وصوله بيروت. وجاء إعلان الرئيس "المستقيل" سعد الحريري ، بعد لقائه الرئيس ماكرون في قصر الإليزيه بأنه سيتوجه إلى لبنان للمشاركة في احتفالات عيد الاستقلال يوم الأربعاء،  وأنه سيوضح موقفه السياسي النهائي من هناك بعدما يلتقي الرئيس عون والمرجعيات السياسية فيه، ليطرح السؤال الكبير المتعلق بالمستقبل السياسي لسعد الحريري، وما إذا كان رجوعه إلى لبنان سيحل المشكلة التي طرحها من الرياض وهي تدخل "حزب الله" العسكري في أكثر من مربع ودائرة عربية، والتي وصلت كما أعلنت السعودية إلى ضلوع "حزب الله" في إطلاق الصاروخ الإيراني من اليمن على الرياض.
 يحتاج الحريري للتراجع عن قرار استقالته، إلى التوصل إلى مفاوضات جديدة وتسوية جديدة، مع "حزب الله" ومحور هذه التسوية هو التزام "حزب الله" بسياسة النأي بالنفس وترجمتها على الأرض، خصوصاً على الساحة اليمنية والسورية، وعدم الإضرار بالأمن القومي العربي. 
غير أنه من المستبعد أن يقدم "حزب الله" تنازلات كبيرة تتعلق بدوره الخارجي، كما أنه من الصعب أن يتراجع الحريري عن قرار الاستقالة، خصوصاً بعدما قرر ألا يكون هناك غطاء شرعي ودستوري لـ «"حزب الله"» وسياساته، ولأن الأسباب المحلية والإقليمية التي أدت إلى الاستقالة – التدخلات الإيرانية في المنطقة العربية -لم تتبدل، هذا إذا ما أخذنا فقط نص كتاب الاستقالة الذي تلاه الرئيس الحريري. وفي حال تقدّم الحريري رسمياً في استقالته، فإن الأزمة السياسية قد تطول نظراً إلى أسباب عدة منها: صعوبة قبول أي شخصية من القيادات السنية الترشح لرئاسة الحكومة المقبلة في ظل الكباش القائم بين المملكة العربية السعودية وإيران، ومع الأخذ بعين الاعتبار أن "الحريرية السياسية" في لبنان لم يعد بالإمكان إيجاد بديل عنها، لأنها مهندسة التوازنات في لبنان المتعدد والمركب، وهي الضامن لعدم عودة اللبنانيين إلى الخنادق والمتاريس.
في لبنان يمسك "حزب الله" بقرار الحكم، مستفيداً من فائض قوة خطير، وترسانة صاروخية هائلة أمدته بها طهران للتحكم بلبنان، وانكفاء سياسي أمامه، ما مكّنه من فرض إملاءاته على كل المستويات. وعندما كان "حزب الله" يحارب إسرائيل ببسالة لتحرير الجنوب، التف حوله الشعب اللبناني بكل مكوناته. ولكن بعد التحرير، تحول سلاح الحزب إلى الداخل اللبناني، وأصبح "حزب الله" يقدّم خدمات عسكرية عابرة للدول لحساب جمهورية ولاية الفقيه، والتصق بشكل كامل وعلني بالأجندة الإيرانية بالمنطقة.  
وعلى كل حال، فمع استقالة الحريري، سقطت التسوية السياسية التي أنهت الفراغ الرئاسي الذي كاد يطيح المؤسسات اللبنانية، وأوصلت الرئيس ميشيل عون إلى قصر بعبدا، وأعادت سعد الحريري إلى السراي الحكومي. التسوية التي عنوانها "النأي بلبنان عن النيران الإقليمية التي تلفح المنطقة"، والذي كان يومياً "حزب الله" وفريقه السياسي يسقط ما تردد بأن هذه الحكومة هي حكومة "ربط نزاع"، هدفها الابتعاد بلبنان عن الصراعات الإقليمية، والحفاظ على حالة من "الستاتيكو" بين الشركاء في الوطن.
لا شك في أن الحريري حاول التعايش السياسي مع أداء "حزب الله" والعمل معه في حكومة واحدة، وأن يروض بصره وسمعه وعقله للتعامل مع حزب يعلن جهاراً نهاراً أن ولاءه العابر للحدود لا يسكن بيروت وإنما في طهران وقم، حفاظاً على الحد الأدنى للاستقرار في لبنان. غير أن الحريري لم يعد قادراً على تغطية هذه الحكومة، وبدا واضحاً له أن هناك من يريد وضع لبنان، رغم أنف أكثرية أهله في موقع المواجهة مع السعودية ودول الخليج التي في كل المنعطفات الصعبة مدت يدها البيضاء للبنان، وأن يبعد لبنان عن محيطه العربي. لذلك جاء قرار استقالة الحريري المعللة من الرياض،  والتي من الممكن اعتبارها في بعدها الإقليمي خطوة فعلية على طريق الخروج من روح الاتفاق النووي، خصوصاً أن الدولة اللبنانية على أبواب عقوبات قاسية دولياً وعربياً بسبب أدوار "حزب الله" سيكون لها ارتدادات سلبية على الاقتصاد الوطني. 
وفيما كان لبنان منشغلاً بالأزمة السياسية الحادة، جاءت استضافة الملك سلمان "لبطريرك الموارنة" في لبنان بشارة الراعي بالديوان الملكي في الرياض- كحدث لافت بكل المقاييس- فهي الزيارة الأولى التي يقوم بها رأس الكنيسة المارونية إلى بلاد الحرمين، كمؤشر واضح على "السعودية الجديدة". وبالنسبة للتوقيت اللبناني، فإنها تدلل على الدور الوطني الكبير الذي تلعبه "بكركي" في تحديد البوصلة اللبنانية بالمنعطفات الخطيرة ، والحفاظ على الكيان اللبناني ومصلحته في إقامة علاقات جيدة مع محيطه العربي والخليجي، والبحث في الأزمة اللبنانية.
أزمة لبنان الفعلية ما زالت في بدايتها، بعدما عاد لبنان منصة وساحة وصندوق بريد لتبادل الرسائل الإقليمية مرتفعة السقوف، وهي لن تنتهي بعودة الحريري، والأجوبة عنها غير موجودة في بيروت، بل ترتبط بمسار المواجهات في اليمن وسورية ومؤتمرات الرياض وسوتشي. وبغض النظر عن استقالة الحريري والصورة داخل لبنان، "حزب الله" حالياً تحت المجهر السعودي، وذلك نتيجة انخراطه المباشر في حرب اليمن، عبر تدريب الحوثيين، وتسليحهم، وتقديمه الاستشارات العسكرية، وصولاً إلى التنسيق مع طهران إلى إطلاق الصاروخ الذي سقط في الرياض.
وهناك اندفاعه خليجية بدعم أميركي للتصدي لـ"حزب الله" في أكثر من ساحة وبأكثر من أداة. هذه الاندفاعة لن تكتفي ببيان وزاري من أي حكومة مقبلة في حال تم تشكيلها،  تتعهد صورياً «النأي بالنفس» أو عدم التدخل في الشؤون الإقليمية. اليوم، وبالنظر إلى واقع "حزب الله" واقتراب إيران من مد جسر بري عبر العراق وسورية إلى لبنان والمتوسط، هناك بحث عن إستراتيجية إقليمية وسعودية وأميركية أكبر لتبديل هذه الصورة، ولبنان جزء أساس فيها. واشنطن تعتبر استقرار لبنان ودعم الجيش خطاً أحمر،  ولا تريد هز هذه الثوابت في المرحلة المقبلة. في الوقت نفسه، هناك تذمر أميركي من مجرى الأمور في لبنان، من نفوذ "حزب الله" العسكري والسياسي على الأرض وداخل الحكومة السابقة. واقعياً، الأزمة التي بدأت باستقالة الحريري هي أكبر بنطاقها من قدرة أي حكومة لبنانية على استيعابها، وتترابط بما سيجري ميدانياً في اليمن وفي سورية. واحتمال إعادة خلط التحالفات الداخلية. فالمظلة التي سيأتي بها الحريري من الرياض تحتم عليه وعلى تياره نهجاً تصعيدياً ضد "حزب الله". وأغلب الظن، أن الحريري سيعود إلى لبنان ليرأس الفريق السياسي المناهض للنفوذ الإيراني، في مهمة صعبة ولكنها ضرورية لحفظ التوازن الداخلي، وتأكيد انتماء لبنان إلى عمقه العربي.

كاريكاتـــــير