شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 25 سبتمبر 2022م17:22 بتوقيت القدس

صوت موظفي غزة الأخرس

11 ابريل 2017 - 09:32
شبكة نوى، فلسطينيات:

خرجت اليوم من بيتي للمرة الثانية بعد قرار خصم 30% من رواتب موظفي غزة (أولاد البطة السودا)، المرة الأولى كانت للمشاركة في اعتصام سلمي في ساحة الجندي المجهول، والتي لم تكن على قدر توقعاتي الشخصية، لكن تبعتها عدد من الاحتجاجات كانت المشاركة فيها أقوى، لكن من يهتم!، لم تحقق هذه الاحتجاجات مطالبها حتى الآن، وكل ماتم التوصل إليه تشكيل لجنة لتحقيق أربع أهداف أبرزها التحاور مع حركة حماس لتشكيل حكومة وحدة وطنية في موعد أقصاه 25/4/2017، فيما يفغر الجمهور المحليّ فاه وهو يتابع الوتيرة الجنونية التي جرت بها الأحداث خلال الأيام الماضية دون أن يستعيد حقه.

كان حجم التفاعل الافتراضي ساحقاً، فيما جاء التفاعل الواقعي والحقيقي ضعيفاً في جميع الاحتجاجات وحتى ذلك التي يُعد الأقوى بعد أن دعت إليه حركة فتح في يوم السبت في تمام الساعة الحادية عشر ظهراً، فمأساة بهذا الحجم تستوجب مشاركة حقيقة تليق بحجم المطلب، ما خيب ظني في هذا الاحتجاج هو هتافات المحتجين، وتبرير خروجهم بدعم "شرعية الرئيس الفلسطيني" وهو أيضاً رئيس حركة فتح ومطالبته بالعدول عن القرار، هاتفين "ارحل ياحمدلله" في إحالة كاملة للمسؤولية لرئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمد لله.

ما أدهشني فعلاً هو حجم الانفصام في هذه القضية، وطغيان دكتاتورية الحزب على مصلحة الفرد، وكيف أن الخوف يمكن أن يتجسد بهيئة حشود بشرية، أبناء فتح حينها لم يرفعوا سقف اتهاماتهم بمساواة سقف مطلبهم، حتى لا يتخطى الهتاف الحمد لله، في تلك اللحظة تحديداً صدح موظفو غزة بصوت أخرس، وتجلت الحقيقة بعين عوراء، بدت غزة كأنها تجلس في آخر صفوف المسرح بقرب الباب، على كرسي ذو ثلاث أرجل يتأرجح بها دون أن تضع بطاقة تعريف وطنيّ على صدرها، ترقُب قدوم رجال الأمن لتهرب وهي تنتعل حذاءها ذو الكعب العالي رغم عرجها.

المضحك المبكي أيضاً، هو شماتة الشامتين، وتفزلك المطبلين لأحزابهم، وحزبية المناصرين لمطالب الموظفين لكيل الاتهامات للسلطة والتباهي بإنجازات حكومة الواقع في غزة بأنها لم تتخلّ عن موظفيها، ومنحتهم الأراضي الحكومية كبديل عن مستحقاتهم المالية رغم شناعة هذا الجُرم وعدم قانونيته، إضافة إلى العنصرية الجغرافية في مطالب التحرك، الأيام الماضية كشفت حجم مأساتنا الأخلاقية، وأننا من ينحني دوماً لتُحل المسائل العالقة على ظهره، واتساءل كيف ينتصر مظلومٌ، وهو لا زال يمجد ظالمه؟

عندما مشيت في الشوارع اليوم، كان الباعة يرتكزون عن أبواب محالهم التجارية الفارغة، وعدا عن صوت السيارات كان الهدوء مزعجاً، حتى الفتيان الذين يبيعون متجولين غابوا عن المشهد، حتى جاء صوت فتى يدلل على بضاعته لفتاتين: "اشتري مني الله يجوزك اللي في بالك"، ضحكتا وقالت إحداهما للأخرى: "أكيد مش ح اشتري بمصروفي بعد الخصم شالات"، فيما تبدو أنها خطة تقشف فردية، نتيجة لقرار حكومي عنصري أجبرهم على ذلك دون خيارات.

واتساءل ألا يعلم أصحاب القرار أن عشر سنوات من الحصار والانقسام، فبحسب منظمات إنسانية دولية، خلفت مجتمعاً يعيش 80% من سكانه على المساعدات الإغاثية، وينتشر الفقر بنسبة 65% فيه، وتتفشي البطالة بين شبابة بنسبة 63%،و تلبي خدمات الماء ووصولها للمنازل 5% فقط من احتياجاته، وبحسب تصريحات المسؤولين فإنه على موعد مع أزمة كهرباء جديدة، أي خطيئة ارتكبتها غزة لتُعاقب هكذا؟ وماذا ينتظر مجتمع واقعه مرعبٌ ليقلب الطاولة؟، وليسأل كيف أنتهى المطاف بأزمة خصم الرواتب، إلى الجلوس على طاولة تحاور سياسية ثنائية القطبين؟ كيف يحدث وأن يُستغفل شعب بأكمله؟ كيف يحدث وأن يُرهن شعب بأكمله؟

كاريكاتـــــير